الرّان
قصة قصيرة يسري ربيع داود – مصر
شاهت الوجوه من حولي، وزاغ بصري نحو سقف الغرفة التي أرقد فيها صريع المرض اللعين، أجول بأرجائها وجدرانها كأنني أودعها، أتذكر تفاصيلها، اتذكر جيدا كل ركنٍ فيها، متى بنيناه، ومن بناه، أتذكر العابنا معا وقت البناء حيث كنا صغارا خفافًا، أتذكر معاناة أبي في جمع المال من أجل بناء هاتين الغرفتين، قد كنا هنا يوما ما نجري معا، ونلعب معا، ونقتسم اللقمة معا، ونضحك بطفولية بريئة معا، كان أبي يرقبنا ونحن نساعد البنَّاء بتجميع (بلوكات الطوب) وإعطائها له بغرض توفير أجرة العامل المساعد له ، ترتسم على وجهه ابتسامة الرضا.. تلك التي تحمل خلفها تساؤلا.. كيف لهذا المكان الضيق أن يحتوي أسرة مكونة من خمسة رجال وأربع بنات؟ مرت الأيام والسنوات واحتوانا البيت على صغره، ملأناه بالحُبِّ والألفة والتعاون، مات أبي وماتت أمي وصرت مسؤولاً عن الجميع، تعاونّا جميعاً حتى تم لنا الزواج... أولادي الآن مِن حولي يمطرونني بنظرات العطف، اتلاشاها لأنني مَن علمتهم تلك النظرات وهذا الحنان، أنا أكره نظرات الاستعطاف لأنني كنت قوياً طول عمري، وانا الذي أوزع تلك النظرات على من يحتاجها... يد ابني تربت على كتفي، والآخر يدلك قدمي، وثالث يجهز الدواء، ورابع يصلي من أجلي... عفوا ادافع البكاء، أقطع الصمت بسؤال عن حضور إخواني للسلام الاخير على أخيهم الذي أنهكه المرض وأضناه التعب وأرهقته مرارة الخصام فلعلهم لا يلقوني بعد يومهم هذا... سمعت أبنائي منذ قليل يتهامسون عند بابي قبل الدخول عليّ: -
كلهم تواصوا بألاّ يأتوا للسلام على أبينا، إن أبانا شاخ ورق عظمه، ومنذ زمن وهم يخاصمونه، ألم تكفهم كل تلك الفترة وقد رفضوا كل محاولات الصلح؟
ماهذا الخلاف اللعين الذي فكّك الأسرة المترابطة؟
إنها النساء والاحقاد يا أخي..
أعوذ بالله
لماذا لم تحضر العمّات؟
لماذا كرهوا أبي لهذه الدرجة؟ إنه على وشك الموت، يريد أن يراهم للمرة الأخيرة، ماهذه القسوة؟ لقد حاول الأهل والأصدقاء الجمع بينهم ولكن الرّان على القلوب أعماها وأضلّ أعمالهم..
أبي يخشى الموت ولقاء الله وهو يعلم أنه سائلُه عنهم.. لقد سامحهم أبي ويريد أن يسامحوه
سئمت من كلامهم، وزاد ألمي بمعرفتي أنه لا حيلة تجدي معهم.. فناديت الابن الأكبر، طلبت منه أن يحركني نحو القبلة، وأن يكون إخواني في مجموعة الذين سيغسلونني، أعتقد أنني واهم، ولكنه الأمل الأخير ، طلبت أن يسامحونني... تماسك الابناء ووعدوني بتنفيذ الطلب، ولكن هل سيقبل الإخوان الصلح مع ميت؟ لقد رفضوه وأنا حي، فكيف سيقبلوه وانا كالخشبة؟.. سلمت أمري لله، ووقع نظري على صورة جدارية في برواز قديم على جدار الغرفة، يجلس والدي بجوار امي، ونقف ( تسعتنا) حولهم مختلفي الطول والاحجام والملابس، ولكن يجمعنا جميعاً شيء واحد.. قد كان يجمعنا الضحك والابتسامة بطريقة طفولية، و ايدينا تتلاقى من فوق اكتافنا، تجمد نظري عندها وكأنني اودعهم بتلك النظرة. نظر الجميع الى الصورة وهم يفهمون مغزى النظر إليها، عاهدوني الا يختلفوا، والا يجعلوا للخلاف إليهم سبيلاً،... نظراتي صوبتها نحو الباب لعل البشير يأتي إلي يزف بشرى قدومهم.. لكنّ بشير الله كان أقرب من بشيرهم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق