الثلاثاء، 18 يونيو 2019

رحلة في النقد... للمبدعة رنا محمود

((  رحلة في النقد ))

يا شام ...

يا   شام     إن      مواجعي     نزّافةٌ
و   الدمع     يجري     بالمّنى    ألآما

ما   كنتُ     لولا   أن   تظلّي   بسمة
من    عطر   وردكِ   أنسج ُ  الأحلاما

هل   لي    إليك     بهمسةٍ     فوّاحةٍ
أو     قشَّةٍ       او      ظُلَّةٍ      لأناما

البعدُ   أتعبني   و   لا   زال     المدى
عثراتَ    درب ٍ    تعصرُ      الأسقاما

فمتى يزولُ الكربُ عن  وجه الضُّحى
و  متى تخطُّ  الشمسُ   منك سلاما

و  متى  أراني   في  ضحاكِ    مغرداً
طيراً     على    بردى    يهيم   غراما

يا    شام   انتِ     لعَبرتي      إلهامها
أيُلام   من    عشِقَ     السنا   إلهاما؟!

إني    سأبقى   في   المودةِ     نابضاً
نبضَ الصبورِ      و.  أحتسي   الأياما

فعسى   أراك   بثوب   عرس ٍ  أبيضٍ
و الدُّوحُ   يُشعلُ في  الهوى  الأنساما

محسن محمد الرجب

شاعر كبير ، من سورية الأبية ، من غباغب في محافظة درعا الحبيبة
سنبحر اليوم في خضم أمواج كلماته السّاحرة التي هبّ نسيمها على دمشق فعاد محمّلا بأريج الورد وشذا ياسمين القلب .
وكيف لا ، وماذا يجلب البعد عن الدّيار أحبّتي؟
غير الحنين والانكواء بجمر البعد .
القصيدة التي بين أيدينا بعنوان ( يا شام )
وكما نرى اختار شاعرنا عنواناً فيه المباشرة و النّداء وهذا من شأنه لفت الانتباه و ضخّ دفقات شعوريّة وطنيّة الملامح تهيج المشاعر وتضمّن الانفعال المسبق مع القصيدة ._
عنوان مناسب يحمل في طيّاته الحبّ والحنين .
القصيدة من الشّعر الموزون العموديّ التّقليديّ والنّفس كلاسيكيّ ، التزم الشّاعر بحر الكامل
وخاض غماره ببراعةٍ لم توقفه أيّة مطبّات بحرّيّة أو رياح هوجاء أمسك الدّفة باقتدار ربّانٍٍٍٍٍٍ  من البيت الأوّل ، وحتّى نهاية القصيدة.
وقد التزم الشّاعر حرف روي في الأبيات وهو الميم المفتوحة المشبعة أو ما لحق بها ألف الإطلاق وما توحي به من مدّ شعوريّ .
القصيدة وجدانية وطنية النبض ، حمّل الشّاعر فيها كلماته بل حروفه مشاعر عدّة ولعل أبرزها وقد تضمّنته كلّ الأبيات الشّوق الذي يلازمه الألم .
لكنّنا نلمح الرّجاء والأمل في الأبيات الأخيرة
وفي الأبيات التي ضمّنها الاستفهام نجد قمة الانفعال العاطفي
وكيف لا ألا يشتاق المرء أمه .
العاطفة جياشة صادقة وهذا واضح .
وقد كان يبدو الشّاعر في قمّة انفعاله ، عندما كان يتساءل مرّات متى ... متى...؟
والاستفهام كان الغاية منه إظهار شدّة الشّوق
والرّجاء بالعودة .
استخدم الشّاعر ، لغة فصيحة المفردة متينة التّركيب وهذا ليس بغريب على شاعر مثله خبر اللغة بكل تفاصيلها .
الألفاظ بالمجمل مالت إلى الوضوح.  بعيدة عن الغرابة وهذا كله جميل فغاية النص بث المشاعر ، لكن نلمح بعض المفردات التي تتسع لدلالات عدة مثل : نزّافة ، أنسج ، أحتسي ، نابضاً  ... وهذا لابد منه فالمباشرة في الشعر تجعله ضعيفاً .
بالنسبة لأسلوب الشّاعر نجد التلوين بين الخبر والإنشاء بطريقة جميلة انسيابية تخدم المعنى وتضبط إيقاع المشاعر التي كانت تعلو حينا ، وترقّ أحياناً .
نجد أن الشاعر قد مال للنداء والاستفهام من بين الأساليب الإنشائية وقد أحسن توظيفها
لإغناء النص .
يا شام : نداء مفرد علم ، أراد الشاعر أن يشير لبلده فناداها باسمها وكرر النداء في بيت آخر وهذا إن دلّ على شيء فعلى حبّه وشوقه لبلده وشوقه حتى للفظ اسمه .
الاستفهام من الأساليب التي خدمت النّص بشكل كبير وأبدت انفعال الشاعر .
هل لي إليك بهمسة فوّاحة : الاستفهام هنا واضح لا يطلب فيه الإجابة لكن الغاية منه
إظهار مدى الشوق والحنين
كذلك عندما قال : متى أراني في ضحاك مغردا ؟ (أيضا خرج الاستفهام هنا  لإظهار الشوق والحنين )
وقلت لكم هذه من جماليّات هذا الأسلوب .
متى يزول الكرب ...؟. متى تخطّ الشمس منك سلاما ؟ الاستفهام خرج هنا للرجاء بالدّرجة الأولى ، هو يأمل أن تزول الغمة عن بلده ويعود إليها .
من أساليب الاستفهام أيضاًً : ( أيلام من عشق السنا إلهاما ؟
ففي الشطر الأول من هذا البيت أشار الشاعر إلى أن الشام ملهمة عبراته أي أحزانه وفي الحقيقة هو يقصد ملهمته في كتابة الشعر حزينا كان أم فرحاً ، والاستفهام جاء في الشّطر الثّاني ليدلّ على استغرابه وعجبه
ممن يلومه ، فالشام بالنسبة له نور يلهم ويرشد ، فكيف لهم أن يلوموه ؟
وقفنا هنا على بلاغة وجمالية الاستفهام والتي تكمن في خروجه عن حيّز الاستفهام .
أما عن الأخيلة والصور فقد أغنى شاعرنا النص بذلك فنجد :
مواجعي نزّافة : وقد استخدم صيغة المبالغة ( نزافة ) للإشارة إلى شدة النزف أو استمراره وهذه كناية عن شدة الألم وأن جرحه لم يبرأ بعد .
كما تحمل التجسيد فالمواجع لا ندركها بحواسنا لكنه عندما جعلها تنزف جسدها لتدرك بالحواس .
تظلي بسمة : أي أنت بسمة ( تشبيه بليغ )
فقد جعل الشاعر الشام بسمته وفرحته
وهذا يعني الكثير .
أنسج الأحلام : شبه الأحلام بالثوب وتركه بعض لوازمه ( أنسج) على سبيل الاستعارة المكنيّة .
تعصر الأسقاما : كناية عن شدّة المعاناة والمرض ، وكأنّما شاعرنا يريد القول أنّ ما لاقاه في بعده سقاه الأمراض والآلام
تخيّلوا أن نشرب عصير الأسقام ؟ !
متى يزول الكرب عن وجه الضحى ؟
أي عن الشام .
لاحظوا شاعرنا حذف المشبه  ( الشام)
وصرح مباشرة بالمشبه به ( وجه الضحى )
على سبيل الاستعارة التصريحية .
هو متأكد أن بلاده جميلة وضّاحة عالية المقام ولذلك لم يجد حاجة لذكر اسمها فأشار مباشرة إلى وجه الضحى ، وما أحلاه من تشبيه يليق بشامنا .
متى أراني طيراً يهيم غراما ؟ يشبّه نفسه بالطّير الذي يغرّد حبا ببردى والشّام ولم يجد حاجة لأداة التشبيه وهذا ما يسمى التشبيه المؤكد .أي بمثابة الحقيقة لا التشبيه.
تخطّ الشمس : استعارة مكنية ، شبها الشمس بالإنسان وترك بعضا من لوازمه بعد حذفه
( تخطّ)
والمعنى في البيت : متى ينفرج الهم عنك يا شام لتعود الشمس تشرق منك وتهدينا السلام والتحية .
أحتسي الأيام : أي أعيشها بالتأكيد لن نشربها
وهنا كناية عن مرور الأيام أو انقضاء الزّمن
الدّوح ( وهو الشجر الكبير ) يشعل في الهوى الأنسام : كناية عن حرارة اللقاء والشوق وهذا حتماً عند رجوع شاعرنا لدياره .
وإلا كان ينبغي لأنسام الدوح أن تأتي باردة .
هناك ألفاظ في النص هي رموز حقيقة :
الضحى والفجر : رمزان للخلاص والنصر
العروس أو ثوب الزفاف أيضا من رموز النصر والفرح .
لم أقف على نقاط ضعف ، بل على العكس على نقاط قوة وجمال :  
انظروا معي كيف نسج الشاعر أحلام العودة الجميلة الوردية من عطر الورد
( من عطر وردك أنسج الأحلاما )
همسة فوّاحة : وكأني به يقول : إنه مشتاق لنسيم بلاده يهمس له حاملاّ عبق الزهور
أو لهمسة رقيقة من محبوبة غالية تضوع منها العطور .
ولك شاعرنا أن تنتقي .
سأبقى بالمودّة نابضاً : وكأنه يقول سيعيش بالحب أو أن قلبه لن ينبض إلا بالحبّ
فهل هناك أجمل من هذه المعاني أحبتي .

مازال هناك الكثير ليقال أحبّتي في هذا النّصّ ، لكنّي سأتوقّف عند هذا الحدّ وكلي أمل أن أكون قد وفّقت في رحلتي مع النّقد
وأن تكونوا قد استمتعتم أعزائي في هذه الرّحلة .
كلّ التّحيّة وياسمين الشّام مع دراستي المتواضعة أقدمها لكم شاعرنا الكبير الشاعر محسن ﺍﻟﺮﺟﺐ آملةً أن تلقى في نفسكم القبول .
تحيّتي ومودّتي والورد
لكلّ من واكب رحلتي

بقلمي : رنا محمود

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق