الثلاثاء، 10 مارس 2020

دراسة نقدية لقصيدة الشاعر هيثم م صقر رحيل..... بقلم سيدة النقد رنا محمود

دراسة نقدية لقصيدة الشاعر هيثم صقر ( رحيل )

رحيل 

لوحت والقلب يشتاق هواها
و عيوني أدمعت شوقاً وآها 

أرهقتني حين أوحت بالرحيل 
بعثرتني قبل أن تخطو خطاها 

يا لحزني قد مضت دون عناقي
و أنا العاشق و الروح فداها

وحدها من سكنت قلبي سنينا
لم تغب يوماً بأحلامي أراها

ليت أيامي و جادت بالعطايا
ثم ترويني بقطر من نداها

أنكرتني بعد أن مال شبابي
وسقتني حنظل الهجر يداها

تشرق الشمس أياصبحي وحزني
قد سقاني البعد سماً من جفاها

هيثم م صقر

تعددت أغراض الشعر العربي من مدح وهجاء و فخر و حماسة و رثاء وغزل ووصف .
ويعدّ الوصف أكثر هذه الأغراض شيوعا فلا تكاد قصيدة مهما كان غرضها تخلو منه سواء بشكل مباشر أو غير مباشر .
وقصيدتنا اليوم وجدانية الطابع غرضها الوصف وهذا واضح من العنوان ( الرحيل ) 
فقد بدأ الشاعر بوصف مشهد رحيل المحبوبة وما خلفه من لوعة وما ألقاه على نفسية الشاعر من ظلال مأساوية سوداء وانكسار ثم الأماني التي أخذ الشاعر يمنّي نفسه بها ويعود للإقفال بتصوير عذابات الهجر فهو سم زعاف .
_القصيدة لم تكن لتسمى قصيدة لو لم تبلغ 
سبعة أبيات ، إذا هي قصيرة نوعا ما 
لكنها تشكل نفحة وجدانية ذاتية صادقة .
وهي تندرج تحت مسمّى الشعر العمودي وتتبع الكلاسيكية لأنها حافظت على ثوب الأصالة والتقليد شكلا كما هو باد لكم من حيث التزام النمط العمودي بشطرين موزونين وقافية وحرف روي هو الهاء المشبعة بالألف .
و قارب الرومانسية بكم الحزن والتشاؤم .
فشاعرنا في غاية التأثر لرحيل المحبوبة يصف بعضا من معالم الرحيل ( التلويح ، الدموع ، الآهات ، الخطوات ...) ويصور فيما بعد نفسه المعذبة من لوعة الفقد والهجر ( الإرهاق والتعب ، التشتت الذهني والضياع ، الحسرة لعدم وداعها ولهجره بعد أن رحل شبابه في إشارة واضحة إلى عدم الوفاء وصون العهد .
*العنوان : رحيل 
اختار الشاعر لفظة تدل على المراد بشكل مباشرة فلم يترك للذهن فرصة التفكير
بمضمون الأبيات وبالتالي خسر عنصر الإثارة ولو تواجد لكان نقطة تحسب له لا عليه .
*العاطفة : وجدانية ذاتية أكثر فيها من ضمير المتكلم ( عيوني ، ارهقتني ، بعثرتني ، أنكرتني ، سقتني ، شبابي ... ) 
وهذا إن دل على شيء فيدل على صدق التجربة الشعورية وعمقها وهذا جميل جدا ويحسب لشاعرنا الجميل الذي جعلنا نعيش لحظات حزنه وألمه وأعاد لنا صور عشاق العرب كقيس وعنترة وجميل ..
مشاعر الحزن والألم والحسرة واضحة وضوح الشمس وقد أحسن الشاعر انتقاء كلمات تدل على ذلك ( أدمعت ، شوقا ، آها ، بعثرتني ، يالحزني ...) 
العاطفة الجياشة من أبرز معالم القوة . هذه القصيدة نفحة قلب حرى .
*الموسيقا في الأبيات :
الموسيقا الخارجية منبعها أوزان بحر الرمل والقافية . 
قافية مطلقة روي الهاء المشبعة بالألف 
والمسبوقة بألف التأسيس .
وحرف الروي هنا جاء ليعبر عن امتداد الآه واتساع الألم .
التزم الشاعر بحر الرمل القائم على تكرار تفعيلة فاعلاتن ثلاث مرات وهذا جميل وقد لجأ أحيانا لجوازته فعلاتن 
لكنه في الشطر : 
ليت أيامي وجادت بالعطايا 
واضح لنا أنه تكبد العناء في التفعيلة الثانية حيث اضطر لزيادة الواو حفاظاً على الوزن ، فلاحاجة لها في المعنى 
إذ لو قال كما ينبغي : 
(ليت أيامي قد جادت بالعطايا ، أو جادت بالعطايا ) لاختلّ الوزن .
كذلك سكن الشاعر الفعل ( أن تخطوَ ) ليستقيم الوزن في البيت الثاني ونحن نعلم أن الفتحة تظهر على آخر الفعل المضارع الناقص المنتهي بواو أو ياء .
ما عدا ذلك استطاع كبح موج الرمل رغم رشاقته وسرعته ببراعة .
_ الموسيقا الداخلية 
لها عدة مصادر : 
منها التصريع في البيت الأول (هواها ، آها ) 
وتشابه الكلمات من حيث الحروف : 
( يشتاق شوقا ، تخطو خطاها )
إضافة إلى تكرار حروف الهمس في مواضع عدة .
* الجوانب الفنيّة لأسلوب الشاعر : 
اللغة : أجاد الشاعر تطويع اللغة بمفردات تعبر عن سيرورة الألم والحزن والشوق والحسرة على امتداد النص ، واتسمت مفرداته بالوضوح .
من الألفاظ التي تعدت معناها المعجمي 
في السياق ( بعثرتني ، مال ، سما ) 
بعثرتني : أراد بها التشتت الفكري والضياع .
مال : أراد بها الزوال أو البعد لا الميلان .
سمّاً : أراد بها الموت أو الهلاك أو الألم وليس السم المعروف .
وهذا جميل ويحسب لشاعرنا .
أما الأسلوب : فقد غلب عليه التراكيب الخبرية وقد غلب عليها الجمل الفعلية التي تدل على الديناميكية وهذا يناسب رسم لوحة الرحيل ورصد التغييرات المتلاحقة على نفسية الشاعر .
لوحت.. ، أرهقتني .. بعثرتني .. لم تغب .. ثم أنكرتني .. تشرق ... سقاني البعد ..
استطاع بأسلوب الخبر توصيف حاله .
ونلمح الأسلوب الإنشائي في ثلاثة مواضع : 
يالحزني : نداء خرج للتحسر والتعجب .
ليت أيامي : التمني إنشاء طلبي .
أيا صبحي : نداء وهنا أيضا عبر عن انفعال شديد دالا على التحسر .
التراكيب مالت إلى القصر وهذا مردّه التأثر والانفعال .
*الخيال والبديع : 
لم يحلق شاعرنا بعيدا على أجنحة الخيال فجاءت الصور قليلة نوعا ما ومطروقة لكنها واءمت المعنى والحالة الشعورية .
ومنها : 
بعثرتني : استعارة مكنية 
أيامي ترويني بقطر : استعارة مكنية 
مال شبابي : استعارة مكنية 
حنظل الهجر : تشبيه بليغ إضافي 
تعبر عن مرارة الهجر .
أيا صبحي : استعارة تصريحية ( المحبوبة صبح الشاعر وحزنه ) 
سقاني البعد : استعارة مكنية بلاغتها تكمن في تشخيص المعنوي .
سمّاً من جفاها : تشبيه بليغ
نلحظ افتقار النص لألوان البديع وقد اقتصر على :
التصريع في البيت الأول .
أشرت في سياق الدراسة لنقاط الضعف والقوة وأضيف أن الشاعر قد أغلق باب قصيدته دون أن يترك شعاع أمل يتسرب من خلاله وهذا قد لا يحبذه الكثيرون .
القصيدة على قصرها استطاعت أن تحرك مشاعرنا وتنقلنا إلى عوالم الشاعر الداخلية لنستشعر كم الحزن والألم .
استمتعت جدا وأنا أجوب بين كلماتكم الساحرة شاعرنا المبدع (هيثم م صقر )
تقبلوا مني أرق التحية وفائق الاحترام والتقدير .
ولكم يا أحبة ولعميد صرحنا الرائع 
د. غسان منصور منصور
شكرا جزيلا على المتابعة والتفاعل .
إلى أن ألقاكم في حلقة جديدة لكم مني
التحية وأطيب المنى .

بقلم : رنا محمود

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق