دراسة أدبيّة نقديّة لقصيدة ( خيال واقتباس ) للشاعرة مها اسماعيل ملحم .
🌹 خيال واقتباس 🌹
___________________
ألا يا قلبُ ما نَفَعَ الطبيبُ
......وهذا الجرحُ والأمرُ العصيبُ
وداءٌ ما هدانا من دواءٍ
........فذابَ شبابُنا وغزا المشيبُ
فلا عرّافةٌ أبدتْ جواباً
.........ولا شيخٌ يصلّي أو صليبُ
صباباتُ الهوى أعْيَتْ قلوباً
........وساكَنها البلاءُ وكمْ عجيبُ
تمرّسَ نبضُ قلبٍ بالليالي
..............تفاقَمَ ودّهُ فيهِ اللهيبُ
فذا عيْشٌ يساومني لقبْرٍ
...........وحبٌّ فيه نارٌ كم يطيبُ
جنانٌ لا تطاق بلا أناسٍ
......فكيف السعدُ دونَك يا حبيبُ
جفوني قد جفاها ظلّ نومٍ
.......سواقٍ في المآقي والنحيبُ
وداري صار فيها الحزْنُ طبعا
..........فما فيها نضارٌ أو خصيبُ
نوارسُ حلْمنا هجرتْ بحاراً
.........كأنّ الشطّ في ذهْلٍ كئيبُ
ولا من قاصدٍ ناغى سُهادا
..........لينسيني عبيركَ يا قريبُ
حروفُ الشاعرِ المرآةُ حقا
........خيالٌ ذو اقتباسٍ لا يغيبُ
أفكار النّص :
١_ الشّكوى من فراق الحبيب .
٢_الحبّ داءٌ أودى بالشّباب وعجّل في الهرم .
٣_ فشل أهل الدّجل ( العرّافة ) وأهل الإيمان أو الدّيانات ( يصلّي ، صليب ) في مساعدتها .
٤_الصّبابة أوالشّوق بلاء لازم قلبها .
٥_ تأجّج المواجع و نيران الحبّ والشوق ليلا .
٦_عيشٌ دون الحبيب أشبهُ بالموت .
٧_لا سعادة تُرتجى دون الحبيب حتّى في الجنان .
٨_ مظاهر الحزن الشّخصيّة (سهاد وبكاء ونحيب )
٩_مظاهر الحزن على المحيط ( تطبّع البيوت بالحزن لا مظاهر للزّينة والجمال ( لا نضار ولا خصيب )
١٠_اليأس وهجرة الأحلام والأماني .
١١_لا مواساة ولا سبيل لنسيان الأحزان .
١٢_الشّعرُ مرآةُ الشّاعر تعكسُ واقعه وتخيّلاته وأمانيه .
أمام أيدينا نصٌ وجدانيٌّ شجيُّ النّغم يندرجُ تحت الشّعر العموديّ وقد نظم على بحر الوافر الرّشيق المحبّب للأسماع .
والنّصُ ينطوي تحت لواء المدرسة الكلاسيكيّة فكما هو واضحٌ للجميع التزام شكل القصيدة العموديّة والرّويّ الواحد إضافةً للتّأثر بالأسلوب .
اختارت الشّاعرة عنوان (خيال واقتباس ) وكأنّها جمعت بين متناقضين فالخيالُ ماليس موجودا والاقتباسُ ما هو موجودٌ ومأخوذٌ من غيره وقد يكون الاقتباس في البلاغة من القرآن الكريم أو الحديث أو الشّعر وحتّى الأقوال والحكم .
وكأنّها توحي لنا أنّ في قصيدتها ما هو حقيقيٌّ وما هو متخيّل .
جميلٌ ، لكن مثل هذا العنوان قد يصحُّ لمعظم القصائد ، وكان الأفضل لو أنّها أثارت ما يوحي بمضمون النص كونه يماثل الرّثاء في شجنه وحرفه .
لكن نلاحظ البداية الموفّقة ( ألا ياقلب ) باستخدامها أداة الاستهلال والاستفتاح ( ألا ) وهذا من شأنه لفت انتباه المتلقي لما سيأتي .
العاطفةُ في النّصّ وجدانيّة ذاتيّة الملامح
(يساومني ، جفوني ، داري .. )
وقد جعلت الشّاعرة نفسها جزءا من الضّمير الجمعي فتارةً تتحدّث بلسان الجماعة المتكلمين (شبابنا ..) وتارة بلسان حالها .
وهذا يحسب لها ، وليس عيباً فالشّاعرة في النّهاية فردٌ ينتمي للكلّ ويتأثّر بالعاطفة الجمعيّة حتّى الثّقافة والتّقاليد .
الحزنُ والأسى واليأسُ والحسرةُ والألمُ وحتّى الاستغراب مشاعرُ صادقةٌ قويّةٌ وشّحت النّصّ فجعلت منه بكائيّةً حرّة الدّموع ( الحبّ والهرمُ وغياب الحبيب )
كلها استثارت شجون شاعرتنا والتّساؤلات التي وردت تبيّن حدّة الانفعال .
أجادت الشّاعرة التّعبير عن جوارحها والتّأثير بالقارئ من القراءة الأولى وهذا جميلٌ جدا .
الموسيقا :
كما ذكرت سابقاً القصيدة نظمت على الوافر ،ونجحت الشّاعرة في اقتحام موجه متوسط الارتفاع ببراعة ، ومعروف عن هذا البحر سلاسته وسهولته وكتابة الشّعراء فيه القصائد الطوال .
إذاً الموسيقا الخارجيّة تأتت من تفعيلتي هذا البحر والتزام رويّ الباء المضمومة
وكأنّ زفيرَ التّأوّه يخرجُ من بين شفتي شاعرتنا ليترك صداهُ عالقا في أذهاننا .
من مصادر الموسيقا الدّاخلية التّصريع ( الطّبيب والعصيب ) و حسن التّقسيم
( ذاب شبابنا وغزا المشيب )
وكثرة الحروف الهامسة كالسّين والشّين والصّاد والتّشابه في بعض الكلمات .
نصٌّ غنيّ بموسيقاه يمتّع الأذن السّامعة .
أمّا الجوانبُ الفنّيّة لأسلوب الشّاعرة :
فنجد أنّها مالت للفصحى النّاصعة حرفاً فالوضوح والسّهولة والرّقة سماتٌ واضحة وهذا مناسبٌ وموائمٌ لبثّ شجونِ نفسٍ معذّبةٍ من الحبّ والهجر أو ربّما الفقد .
كما نجدُ استحضارها من معجمها اللغويّ العديد من مفردات الحقل المعجمي لكلمة داء وما الداء هنا إلا الحبّ وصباباته .
( طبيب ، الجرح ، داء ، دواء ، البلاء ، أعيت ..)
نجد الألفاظ الموحية مثل : ذاب ، غزا ، يصلّي ، صليب ...
واللغة الشّعريّة تحتاجُ لألفاظٍ تحمل أبعد من معناها المعجمي .
ذاب هنا :لم تأت بمعنى تحوّل من صلب لسائل وإنما زال وانتهى .
غزا : لم تأت بمعنى الهجوم او الاستعداد للقتال وإنّما كثر وانتشر .
يصلّي : لم ترد الصّلاة وإنّما الإشارة لكونه مسلما .
الصّليب : أيضا لم ترد العلامة أو الإشارة وإنّما الرّاهب وربّما الكنيسة .
بالنّسبة للأسلوب نجد الأسلوب الخبريّ هو الطّاغي ، وقد تمثّلَ الإنشاءُ في النّداء بعدّة مواضع : (يا قلب ، يا حبيب ، يا قريب ) وهذا النّوع من النّداء يعرف بالنّكرة المقصودة ، أي تقصدُ مناداةَ شخصٍ محدّد ، و واضحٌ هنا أنّ الشّاعرة أرادت قلبها وحبيبها وقريبها وإن لم تستخدم ياء المتكلم .
والنّداء جاء للتّعبير عن انفعالها العاطفيّ فمن منكم سمع هذا النّداء ، وكأن الحلق يغصُّ به والدّموع .
من أساليب الإنشاء أيضا الاستفهام ( كيف السّعد دونك يا..) وواضحٌ هنا أنّ الاستفهام خرج للنّفيّ لا للسّؤال ، وما يؤكّد ذلك ما جاء في الشّطر السّابق
(جنانٌ لا تطاق بلا أناس )
نلمح إكثار الشّاعرة من أسلوب النّفي الخبريّ بشكلٍ جميلٍ خدم فكرتها : في عجز كل من حولها عن تخفيف آلامها
(ما نفعَ الطّبيب ، ماهدانا من دواء ، فلا عرّافة ، ولا شيخ ،ولا صليب ، لا تطاق ، فلا فيها نضار ، ولا من قاصد ..)
أمّا الخيالُ فقد حلّقت شاعرتنا على أجنحته ببراعة ، لكن لم تأتِ بجديدٍ فصورها مستقاة من مخزونها الثّقافيّ لكن أجادت في توظيفها ،وتموضعها في النّصّ بما يخدم مراميها وأفكارها .
يا قلبُ : تشخيص
داء ما هدانا : استعارة مكنية جمالها في تشخيص الداء .
ذاب شبابنا : استعارة مكنيّة فيها تجسيد للمعنويّ ، فالشّبابُ مرحلةٌ عمريّةٌ يذوب ويسيل كالجليد والشحم وما شابه .
غزا المشيب : استعارة مكنيّة ، شخّصت المشيب ، وكأنّ المشيبَ جيشٌ يغزو الرّأس .
صليب : رمزٌ للمسيحيّة أو الكنيسة أو الرّاهب .
ساكنها البلاء : استعارة مكنيّة ، تشخيص البلاء بإنسان يشارك الآخر مسكنه ، أي البلاء أوالمرض سكن قلوب العاشقين .
تمرّس نبض ، عيشٌ يساوم : استعارتان مكنيتان جمالهما في تشخيص النبض وجعله يكتسب الخبرة وتشخيص العيش وجعله يساوم كالتجار على ثمن معين ..
ظلّ نوم : تشبيه بليغ إضافي يتساوى فيه المشبّه مع المشبّه به فيبدو أقرب للحقيقة .
سواق : استعارة تصريحية المراد بها الدّموع .
فما فيها نضارٌ ولا خصيب : كناية عن الافتقار بشكلٍ عام ( لا مظاهر للزّينة والتّرف )
وهذا مردّه الحزن لفراق الحبيب
النّضار : الذّهب وهو من مظاهر الغنى والزّينة ، والخصب يدلّ على الجمال والكرم وفقدانهما يعني العكس .
نوارس حلمنا : تشبيه بليغ إضافيّ
الشّطّ في ذهلٍ كئيب : استعارة مكنيّة فيها تشخيص للشّطّ ، فهو مذهول و كئيب ، و هذا لون من مشاركة الشّاعرة الطّبيعة أحزانها وهنا تأثّرٌ واضح بالرّومانسيّة التي كانت تنحى للطّبيعة ويغلب عليها النّظرة التّشاؤميّة .
ناغى سهادا : تجسيد ، جعلت السّهاد طفلاً يحتاجُ من يناغيه ، وهنا الصّورة جميلة تشيرُ لحجم المعاناة، والرّغبة بيدٍ تخفّفُ وطأةَ الهجر ،أو الفقد على عاشقة نسيت النّوم .
حروف الشّاعر المرآة : تشبيه بليغ
وهذه صورة جميلة تعكس حقيقة الشعر في رصد الواقع والتّطلعات للشّاعر .
أشرت إلى بعض المحسنات البديعيّة وأضيف عليها طباق الإيجاب في
(داء ، دواء _ الشباب ، المشيب _ خيال ، اقتباس )
وليس بخفيّ علينا أثرُ الطّباق الإيجابيّ على المعنى من حيث التّوضيح والتّأكيد فالضّدّ يظهرُ حسنَه الضّدُّ .
إذا كما رأينا هذه قصيدة وجدانيّة صادقة اللواعج ارتدت ثوب الأصالة شكلا وصورةً ولفظاً ، ونحت نحو الرّومانسيّة في النّفس العاطفيّ ، القصيدة جميلة جداً ومؤثّرة .
ومما نأخذه على شاعرتنا إضافة للعنوان
رفعُها كلمة النّحيب ، مع أنّ حقّها هنا الجرّ
ولا يصحّ عطفها على ظلّ لتضارب المعنى .
وأيضا عجبُها مما حلّ بالقلب من بلاء ، (وكم عجيب )، فهذا الحال الطّبيعي لأيّ عاشقٍ كابدَ مرارةَ الفقد .
بوركَ مدادُ فكرك وقلبك شاعرتنا الرّقيقة شجيّة الأنفاس .
استمتعتُ كثيراً وأنا أجوب بين خلجاتِ الحرف والفؤاد .
أرجو أن أكونَ قد وفّقتُ فيما ذهبتُ إليه .
تقبّلي هديّتي المتواضعة مع خالص تقديري والودّ .
ولمن تابعنا أقول شكراً جزيلاً .
ولراعي صرحنا الرّائع د.غسان منصور منصور شكراً على الرّعاية الكريمة .
دمتم بخيرٍ وإلى الملتقى في حلقة جديدة من برنامجكم قصيدة وناقد .
بقلم : رنا كامل محمود
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق