دراستي لقصيدة ( تعبت من الحياة )
للشاعر قاسم الصديق مسوس
#تعبت_من_الحياة
تعبتُ من الحياة ولم يعد لي
بها أملٌ ولو عُمرتُ دَهرا
أموتُ وبِي حياةٌ كُلَّ يومٍ
ولا أحْيا سوى ألما وقهرا
أضُخ جميلَ كفي ✋ للبرايا
وتبقى الكفُّ إنْ أحتاج صِفرا
فكيف يعيش مكسورٌ جريحٌ
ومَن بالقرب قد زادوه كسرا
ومِن أين التفَاؤل والأماني
تجيءُ إليه والنكَبات تترَا !!
دموع العين شحّت بعد سحٍ
وصار الخدّ مُسودّا وقفْرا
وضاق الصدر والأضلاع فُتَّتْ
وكان القلب قبل الضيق بحراً
ولستُ أحس بردا أو سلاما
فكل الكون باتَ عَليَّ جَمراً
شاعر جزائري ، أصيل الحرف ، عاشق لبحور الخليل ، جل كتاباته في الشعر العمودي .
وقصيدتنا اليوم هي كذلك ، سار فيها على خطا الأقدمين لغة وصورا ونظما .
اعتماد وحدة البيت والقافية وحرف الروي ومتانة التركيب ومخاطبة العقل
كلها من سمات المدرسة الاتباعية أو الكلاسيكية في الشعر .
مفتاح القصيدة أو عنوانها يشي مباشرة بمضمونها وأفكارها ورؤى الشاعر وحتى عاطفته .
فالعنوان ( تعبت من الحياة ) جملة فعلية فعلها ماض ، يدل على أمر واقع ومحقق ، فالشاعر ذاق مر الحياة وأدركه التعب من الخذلان .
العنوان مناسب للقصيدة ، لكنه يفتقد للإثارة .
القصيدة وجدانية ذاتية الطابع الصدق و العمق من سماتها ومن مشاعرها الطاغية اليأس الذي لازم الشاعر بدءا من البيت الأول وحتى الأخير ، كذلك نجد الألم والحزن والخيبة في بقية الأبيات ، أية نظرة تشاؤمية طبعت حرف شاعرنا لدرجة أنه بات ميتا وهو حيّ ، لم يعد يرجو خيرا من أي كان ومهما طال الزمان .
هذا إنما يعكس مدى المعاناة والاضطراب الذي يعيشه الشاعر ، أكاد أجزم أنه أشبه ببركان يكاد يثور في أية لحظة .
أما الموسيقا فقد أشرت منذ البداية إلى أن شاعرنا ينظم وفق بحور الخليل واليوم أبحر مع الوافر الرشيق الجميل الذي يعبر ببراعة عن الشجن ، وقد ركب أمواجه ببراعة ربان ماهر حتى رسا عند ساحل البيت الأخير .
اعتمد قافية مقيّدة بالتنوين ، فالروي هو الراء المنصوبة المنونة ، ولعل تعاقب الراء فالتنوين جاء كرنين الجرس أتراه كان يريد لحروفه وقافيته أن تنبه لما يعاني منه ولما يكابده من أنين .
ولو فرضنا أن الشاعر لم يرد التنوين مع أنه هو الواجب هنا ، لكانت الألف بعد الراء للإطلاق و لا يخفى على أحد دلالتها من حيث مد الصوت و أفق المعنى .
هذا بالنسبة للموسيقا الخارجية كما قلت المتأتية من تعاقب تفعيلات الوافر
مفاعلتن مفاعلتن فعولن
أما بالنسبة للموسيقا الداخلية فقد عزفتها
برقة حروف الهمس التي تكررت كالسين والشين والهاء إضافة إلى التشابه في لفظ بعض الكلمات :الحياة ، أحيا ، مكسور كسرا...
أما الناحية الفنية :
فنبدأ أولا باللغة التي اتسمت بالفصاحة والوضوح والبساطة وتنوعت بين جزلة حينا ورقيقة حينا آخر .
نجد بعض الألفاظ الانزياحية أو الموحية مثل : صفرا ، بحرا ، جمرا ...
ونجد أن الشاعر اتكأ على الأسلوب الخبري في التعبير عن معاناته وتعبه ولعل وجده أقدر على توضيح حاله وآرائه
أما الأسلوب الإنشائي فاقتصر على الاستفهام في موضعين :
فكيف يعيش مكسور جريح ؟ الاستفهام خرج هنا للاسترحام والاستعطاف والتوجع
ومن أين التفاؤل والأماني ... ؟
واضح أن الاستفهام هنا لبيان حدة الانفعال من تعجب واستغراب .
إذا خرج الاستفهام في الحالتين عن نطاق السؤال الذي ينتظر الإجابة ليعبر عن حالة انفعالية يعيشها الشاعر من حزن وألم .
التراكيب متينة انسابت بعفوية ، نجد الجمل الفعلية والاسمية ، ونلمح أساليب متنوعة كالنفي والاستثناء والشرط الجازم وغير الجازم ....
وهذا التنوع جميل .
أما الأخيلة والصور فجاءت قليلة ومطروقة لاتجديد فيها مثل :
جميل كفي : كناية عن العطاء و المعروف
أضخّ جميل كفي : استعارة مكنية
وكأن عطاء الكف ماء يضخّ ، وهنا الاستعارة الغاية منها المبالغة في إظهار كرم الشاعر وعطائه .
تبقى الكف إن أحتاج صفرا : كناية عدم النجدة ، والبخل .
هو يساعد غيره ويقدم لهم المال وإن احتاجهم امتنعوا عن مساعدته وبقيت يده خاوية .
من بالقرب قد زادوه كسرا : كناية عن خذلان الأقارب .
الأماني تجيء : استعارة مكنية ، بلاغتها في التشخيص .
دموع العين شحت : تشخيص
الدموع أخذت من صفات الإنسان
دموع العين شحت بعد سح : كناية شدة الحزن وكثرة البكاء الذي جفت بعده الدموع .
صار الخد قفرا : تشبيه بليغ
كان القلب بحرا : تشبيه بليغ .
الكون جمر : تشبيه بليغ
ونلاحظ الغاية من التشابيه البليغة هنا المبالغة .
ضاق صدري : كناية كثرة الهموم .
الأضلاع فتت : كناية عن شدة الألم والمرض .
من ألوان البديع نلمح :
طباق الإيجاب : أموت وأحيا ، شحت وسحّ.
دهرا ، قهرا : جناس ناقص
إذا كما نرى لم يأبه الشاعر كثيرا بالصور البيانية والصنعة البديعية ، ولعل ذلك مرده ما يعانيه من تعب ورغبته في الإفصاح عنه بالدرجة الأولى .
رغم أن الشاعر لم يخلّ بأوزان الوافر إلا أنه غفل عن أخطاء نحوية لو صوبها لاختل الوزن وذلك في ( وتبقى الكف إن أحتاج صفرا )
فأسلوب الشرط هنا جازم وعليه يكون : إن أحتج .
إضافة إلى خطأ آخر تصويبه لا يخل بالوزن ، فمعروف بعد سوى يكون الاسم مجرورا على أنه مضاف إليه ، وهو نصبه .
هذه بعض المآخذ ، نضيف عليها اقتراب اللغة الشاعرية في الأبيات الأولى من لغة النثر لشدة وضوحها ، وعدم التجديد في الصور والأفكار .
نحن باختصار أمام نفحة وجدانية ساحرة لشاعر بث آلامه ببساطة وعفوية ولذلك لم يأبه للحلية اللفظية مثلا .
دام مداد شعركم شاعرنا المتألق ، استمتعنا ونحن ندرس قصيدتكم الرائعة رغم كمّ الحزن واليأس فيها ، ليتك أشرت لبارقة أمل ، لكنك أغلقت بذات الكم من الألم والتشاؤم ، وهذا أرده لصدق العاطفة .
تحيتي وتقديري شاعرنا
الشكر الجزيل لراعي صرحنا والمشرف على برامجنا كافة الدكتور غسان منصور .
رنا محمود
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق