الخميس، 16 أبريل 2020

خاطرة ( آفة الفراغ ) ... للأديبة لمياء القفصي

خاطرة   " آفة فراغ "

كان الشفق قد بدأ يلون ملامح السماء والشمس تنتحب في آخر الأفق راحلة . المدينة غارقة في هدوئها والشوارع شبه خاوية لا يشغلها إلا بعض السيارات العابرة. 
أيام الرعب فيها كالفراش المبثوث في سماء العالم .كيف لهذه الجائحة ( كوفيد 19) أن تعيق العالم فيمشي بقدمين تهويان على الأرض وتتحسسان موطئهما بطريقة طفولية،  يبكي بصوت خافت يندب الإنسانية بأنين موجع في صدورنا بينما نفتح أفواهنا بضحكة لا ندري إن كنا نغتصبها أو تغتصبنا في هذه الأيام .
وكنت بدوري أحاول جاهدة فرض حظر تجول على جماهير الشوق الغفيرة والحنين الفاضح وهذا العشق المندس في جوفي الذي يهدد استقراري بعد رحيلك فألهث إلى أقرب مقعد أحمل بين يدي رواية " العطار "كتاب يحتاج إلى كهف ناء كي يقرأ , رواية مثقلة تحتاج عمرين لتفهم . تجتاحني آفة الفراغ وتنحدر نحو أسفل نقطة في روحي ذاك المكان القصي حيث تقبع .أي فراغ تركت ..وأي حزن في هذا المساء الخالي منك . غصات حنيني تخترق جسدي أُمسك قلمي لأمارس فعل الكتابه إليك. ها أنذا أتخذ مقعدي المقابل لصورتك أنظر إليك ،تقفز نبضاتي مني ترسل اشتياقها تسابيحَ تطوف هالتك ،سـأطاردك من خلال حروفي ومن رحم قلمي سأبحث عن منفذ للقياك برهة.
أستحضر لقاءنا الأول بكل تفاصيله 
- اسمي يامن من سوريا
- أنا ليلى من المغرب
- أعرف.... قال ليرسم نصف ابتسامة على وجهه
جعل نبضي ينتفض ، أزاح الكرسي الذي قبالتي وجلس 
- تدرين  أنا مفتون بكتاباتك يا ليلى
 دعيني أبحر مع أنهر حروفك ، أترك وشم بصماتي على أنحاء روحك ، فحبي لك ليس جر حروف يشكلها الكلام
 ولا وهم سلاسل من الأحلام .
حبي لك نور يضيء عتمة الظلام
يأتي مع الأثير بأجمل الأنغام 
يحتويك بهالة الهيام
صعقتني جرأته أصابت مني وجعي
- أعتذر عن صراحتي المفرطة وبوحي .
 هززت برأسي وقد غابت عني الكلمات ،تاركة له المقهى بما فيها .
ألقيت نظرة للخلف لا أثر له اختفى تاركا أنفاسي عالقة بصوته كنت أصغي إليه فيأتيني صوته شلال، من الضوء يضيء عتمة روحي . يا روحي هل اغتالتك براثين هذه الجائحة؟ أم عانقك الموت على حدود الوطن ؟ 
 هذا العام الموت يغرز مخالبه في الأرواح ، موت بريء لا يخضب يديه  بالدماء،  يأخذ الأحبّة يهمس: ها قد أتيت فيتوقف نبض الحياة.
لكنها تستمر بالحزن والأسى كل شيء يزول وتبقى الذكريات محفورةفي صميم الذاكر ة ، و تبقى بعض الكلمات كـ "نَعق الغِربانِ" مخيفة وبعضها بلا صوت .الصمت يعلن حداده ، الكل أصابه البكم إلا قلبي وحده يتنفس نبضك
أسمع دقاته تجمع أشلاء الأبجديات .الحزن يملؤني وخلف آهاتي فتنة نائمة لن تبرح رحمها إلا حين لقياك.  آه من أنين أشواقي ينمو بين حناياك و ثناياك .
 الإرهاق يفرض سطوته على جسدي ، وجهي شاحب وقلبي لا يلتمس لك عذرا. أعتنق فراغي و أخترق بعروقه همس قلبك ،يوقد نيران شوقي .لا شمس تشرق حين تغيب ولا عصافير تغرد بصخب الحياة . لا حياة تروق لي ،لست أنثى مثالية لكني لا أهجر إلا إذا قاتلت البقاء ،لا أنقض عهدا ولا أخون وعدا ،أنثى أكثر قوة من هذه التي تكتب حزنا ، أشد لامبالاة من تلك التي تعاني من القلق والخوف والشوق والحنين .أنثى تحب الاستيطان لا الإقامة
لا أجيد الرحيل ولا التخلي وتلك يا سيدي مشكلتي لما توغلت بداخلي ؟ كان أجدر بي أن أرسم حصنا عند عتبة باب الروح ، ما يلزمني الآن بناء جسر كي أخرجك مني.
سيتعمق الوجع ويزيد الجرح وتمتد فوهة الفراغ الذي يلتهمني لكن ستمر ذكرياتك حية دون نبض ، وأعبر فوق جثث غيابك دون تألم لأني تخطيت زمن الانتظار .سأضحك ،سأرقص ،سأغني و سأصرخ كي لا أجعل من روحي قلعة مهجورة...

لمياء القفصي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق