الاثنين، 10 يونيو 2019

حلم مذبوح.... للمبدعة عبير حميد

قصة /حلم مذبوح              

                     الاهــــداء
 
إلى الراحل قبل الوداع،
والباقي بين اجنحة القلب السقيم...
إلى من افجعنا بالوداع السحيق، ورحلته الغارقة بين الابدية...
إلى الروح المترفة بالنقاء والشاخصة بالبقاء
إلى الروح  التي علمتني كيف يكون الإنسان تاجراًماهراً مع الله
ف يبيع دمه وروحه ودنياه
ويفوز بحلمه السرمدي
في رقعة عرضها السموات والارض اسمها  الجنة
إلى ذلك الملكوت الغائب
تُصلّي كلماتي…

                       المــقدمـة

كانت أمواج البحر تترنح بعذوبة وتتكحل بلهجة المطر
مطلقةً أصوات إرتطام هادئة
وعلى الجرف نُثرت تلك الأصداف المتلئلئة كما لو أنه اصطفاف للملائكة....
وكنت انا تلك البريئة التي ما زالت رؤيتها عفوية
وانظر اليها واجدها كما كنت أراها في أفلام الكارتون في حكايات -(ساندريلا)
كان هناك... وسط فكيّ البحر
بجمالهِ المُعتاد
بِـبسمتهِ النقية في ميدان الحياة
بتلك (البيرية) التي إعتلت جبينه وخبأت قليلاً من حاجبيه المخضبين بالأسى...
كان محاطاً بعدد من الحوريات الجميلات اللاتي يتناثرن في ذراعيه
ولكني وبسبب غبطتي لم أرَ منهن سوى الضوء الفضي المتلألئ في فضاء وجودهن...
كُن يدفعنه نحو الأمام وهو يبتسم إلي بنضرةٍ مقلقة وابتسامة ممزوجة بالحيرة...
ومعهما غصة،
لم أقوَ حينها على تفسير تلك النظرات
لكنها ويعزُّ عليّ أن أقول أنها كانت كـ تلك الرمقة التي لمحتها يوم ودعني في آخر لقاء...
كنت فرحةً جداً برؤيتهُ امام احداقي،
ولوحت لهُ بكلتا يديّ لكي يقترب؛ فأنا صدقاً مشتاقةٌ لحضنه الأمين والحنون
ومشتاقةٌ لتلك الكلمة التي ما إن ينطقها حتى ارقص فرحاً وتعتريني البهجة ويورق الفؤاد كلما قال: (حبيبتي خالتي) ومُصراً على تقديم كلمة حبيبتي بخشونة دافئة.
نعم كانت عيناي ترقبهُ بلهفة وحذر واضطراب...
ولا ادري للآن كيف خانتني تلك الدموع الخفيفة التي انزلقت من محاجري.
وهو بدورهِ حاول أن يغير وجهتهُ ويقترب مني...
ولكن الحوريات برقعنه ببرقع ابيض يكسوه اللؤلؤ الماسي الناصع في لمعانه،
لكن انعكاس نبرة أشعة الشمس على عينيّ افقدني القدرة على استبيان حقيقة اختفاءه المفاجئ!.
وفي ذلك الوقت أحسست بغصة ملأت عمق روحي واختلج الخافق خوفاً و ناديت بأعلى صوتي
حيدر... حبيبي
حيدددر...
ولم ارَ سوى قطرات خفيفة من المطر الذي راح يتدلى بخفة على البحر ممازجاً مياهه ومربكاً صفاء ذلك الماء الناصح

                           البداية

وماهي الا لحظات حتى ودعت ذلك الحلم واستيقظت مرافقةًلشعور الحيرة
كان كُل مااقنعت به نفسي عُقيب  ذلك الحلم
أن (حيدر) تحت عناية الله وأن تلك الحوريات ماهُن الاملائكة تحفظه من كل شر....
(حيدر) ذو الأربع وعشرون ربيعاً
كان رجلاً شهماً
شجاعاً لايهاب الصعاب
أصر على مواصلة القتال تحت وطأة الحرب التي سببتها موجة الدواعش
في الانبار
وتحديداً كان تمركز فوجهم
قُرب منطقةالملعب
لم يكن لدي  اي إلمام اومعرفة بعناوين تلك الاماكن
كل مااعرفه أن حلم (حيدر)
كان متمثلاً بتحرير آخر شبرٍ من قبضة أولئك الكافرين...
لم تنفع توسلات أمه ولادموعها التي كانت تؤلمه
كانت تقبل يديه ونحره متوسلة بأن يجعلها تكحل ناظريها يوماً برؤيته عريساً فتلك امنيتها وامنية كل ام
خاصة انه كان ابنها الوحيد…
ولكنه ابى الا ان يلتحق بتلك الشباب الغيارى الذين قذف الله في قلوبهم حب الله وجناته
لم ينثنِ حيدر عن قراره أبداً حتى بعد إصابته في ساقه
رفض أن يغير رأيه
ويتقاعس

فيما بعد أدركت انه كان من أحباء الله
فـ احباء الله وحدهم من يتمتعون بتلك الصفات النبيلة
شجاعة؛ كرم؛ أخلاق؛ إيمان؛ حب الخيرللجميع؛ مساعدة الناس؛ خوفه من الله في أبسط تفاصيل الأمور؛
كما أن نضجه المبكر جعل منه رجلاً حقيقياً يُفتخر به
فقد كان افراد عشيرته يلقبونه ب(الشيخ)
نظراً لقراراته الصائبة؛ واحاديثه المنمقة... المحشوة ببالغ الحكمة
كان (حيدر) يتوق لرؤية تلك الجنة التي رسمها في مخيلته
أو ربما كان يراها واقعاً
لذلك تشبث بها واشتراها بدمه وروحه
وباع الدنيا بمافيها

أكملت ذلك اليوم
كالمعتاد...
انهمكت بأعمال المنزل
وتناسيت ذلك الحلم...
ولكني لم انسى الوعد الذي قطعه لي بعد آخر مرة زارني فيها....
أن نذهب لزيارة قبر السيدة الجليلة (شريفة بنت الحسن)
بعد أن اصابتني نوبة بكاء لأنه حين زارني آخر مرة كان مسرعاً لدرجة اني لم اتبادل معه أطراف الحديث ككل مرة
وبعد ذهابه
بدأ اتصاله معي ب كلمته المميزة
الوووووووووو
بتكرار الواو وتسكينها
وبعد سماع صوت بكائي ومعرفة السبب
حاول التخفيف عني
ولم يهدأ لي بال حتى
قايضني بوعد منه
انه سيخصص لي يومين كاملين من إجازته القادمة
وبالمقابل سأعُد له
وجبةً لذيذةً من
(الكبة)و(البرياني)
وقالباً من الكيك
وكان ذلك الوعدكفيلاً
بسرقة دمعتي واستبدالها بضحكاتٍ
اشبعت روحي فرحاً
وبعد ذلك ختم حديثهُ معي ب كلماته المعتادة
سأذهب ياحبيبتي
اتأمرينني بشيئ؟
ـ نعم اريد أشياء!
عدني بأن( تقرأ اية الكرسي 5 مرات)بعد كل فريضة كي تحفظك من كل شر
وعدني بأن تأخذ قسطاً كافياً من النوم
وعدني بأن لاتتواجه مع الدواعش
فقناصهم يعرفك جيداً
وعدني أن تكون بخير
ارجوك ..كن بخير
ـ جائت ضحكته مقاطعةً كلماتي
ـ  هههههه أمركِ ياحبيبتي
لاتقلقي
انتي فقط ادعِ لنا بالنصر القريب
ـ نصركم الله وحفظكم من كل اذى وسوء
ـ مع السلامة
ـ في امان الله وحفظه
في رعايته وتحت كنفه
وفي حفظ قلبي

كانت تلك المحادثة الأخيرة تشغل أروقة فكري
ولذلك هممت
بإنجاز  كل أعمالي بوقت مبكر كي
يتسنى لي محادثته والاطمئنان عليه
كان حديثنا يبدأ بعد الظهر
بعد أن يكمل صلاته بقليل
يمضي بعض الوقت معنا  ويطمأننا عن حاله وبعدها يستأذن للذهاب
في ذلك اليوم شعرت بوخزاتٍ تؤلم قلبي
بل في عُمق قلبي
وغصصت عدة مرات في شرب الماء
ولكني عللت ذلك بالتعب والإرهاق
صعدت إلى غرفتي كالمعتاد
كي اخذ قسطاً من الراحة
بعد أن أنجزت كل شيء

وإذا بهاتفي يرن؛؛؛
نعم انه الحبيب..
. يا إلهي كيف نسيت ان اتصل به اليوم؟؟
هرعت إلى الرد بدون الانتباه حتى لأسم المتصل ورددت مبتسمة
اهلاً حبيبي...
ولكني هذه المرة صُدعت ببكاءٍ وعويل كادا يخترقان طبلةَ اذني
ووسط انعقاد لساني وذهولي جائتني الكلمات ك القنبلة
من اخي الكبير
حيدر لقد استشهد حيدر
لقد استشهد حيدر
لبرهة . .
توقف قلبي عن الخفقان وتوقف عقلي عن تصدير او ا رسال الاشارات الدماغية
كانت الغدة النخامية في حالة حرجة جداً
اتوقع انها انفجرت وقتها

لم ولن  تستطيع مفردات الكون ولاقواميس الدنيا ولالغات العالم ان  تصف ذلك الشعور الذي انتابني وقتها
وقع الهاتف من يدي
وكان الذهول سيد الموقف
لحظات أو دقائق  أو ساعات
لاادري متى انطلق لساني

يااااااااااااااااااالللللللله

صرخت بها بأعلى مااملك من  قوة
وبدأت اتمتم واهذي واقول أشياء مبهمة
بين الخوف من التصديق
وبين الأمل بأن هناك خطأ ما
ارتفع صوتي عالياً
بتوسلات سمائية
تكورت عند عتبة السماء
وبكل الكلمات والمعاني التي اعرفها وحتى التي اجهلها
توسلت بالله
استحلفته بكل الاديان والكتب السماوية
وبكل ماهو مقرب ومحبب لديه
توسلته بكل الادعية والطلاسم والختومات
التي كنت احفظها
بكل حروف القران
بحبيبه محمد واوليائه الصالحين  توسلته بكل الادعية
أن ينقذني...

أرجوك ياالله لاتفجعني بـ(حيدر)
خذ مني كل شيء
خذ مني كل الناس
خد مني ماتشاء
إلا هو
أرجووووووك يا الله
فلتحدث معجزة
فليكن نبضه في سلام
فليكن شيئا ما خطا في كل مايحدث

لا أدري بعدها كيف وصلت إلى مكان العزاء
ولا ادري كيف التقيت بأمه التي لااعتقد ان حالي افضل منها
لاادري ماذا حدث وكيف مشيت وكيف تحركت
كل مااعرفه أنني أحسست بأن صمام الامان في  قلبي قد تفجر…
لم أبكي ابداً كتمت الغصة بين تلك المنطقة القابعة بين حنجرتي وصدري....
حاولت جاهداً أن اثبت لنفسي
أن هذا كابوس وسأستفيق منه قريباً
كنت أُرغم نفسي ان تصدق  تلك  الترهات
لم تخرج مني دمعة … ..
ولادمعة
لم اكن في تلك الساعات من ضمن سكان الارض
لقد انتقلت الى عالم آخر
عالم اللاشعور
اصبحت مجرد جثة تتحرك
أصابني خواء من الداخل
و… .تحنطت فجأة حين وجدتهم يحملون تابوته
وقد لُف بالعلم العراقي
يا اللللللله…
اخذتني الذكريات لكلماته التي جابهتها حين نطقها بضربات على ظهره ويده
وعلى مقدمة فمه
كي لايكملها ولكنه أصر أن يكملها بابتسامة ملئوها القوة وشموخ يترقرق في عينيه
خالتي حبيبتي تعرفين اني لااستطيع أن أواجه امي بهذه الوصية
ارجوكِ أعلميها اِن حدث و نلت الشهادة أن تلُفني بالعلم العراقي وان لاتبكي كثيراً فبكائها سيوجعني
وان لاتخمش خداَ ولاتشق ثوباً فوالله سأغضب ان غضبت امي من قضاء الله

اما انتي ياخالتي فـ أوصيكِ أن ترددي هذه الكلمات على تابوتي وعلى قبري

"هاي الرادها وهاي التمناها
حيدوري البطل ميخاف  سواها"
كان يردد هذه الكلمات بعد هروبه مني وانا اضربه كي لايُكملها
ولكنه أصر أن ينهيها وسط دمعاتي وصراخي
وبعدها قال حسناً حسناً سأصمت
بعدها قبلني على جبيني و استحلفني بحق حبه في قلبي
أن  ابتسم
و بدوري لم استقبل  تلك الأفكاراصلاً وطردتها من عقلي لم اكن أدرك تماماً انها وصية
كنت اعتقد ان اي شخص سيردد هذه الكلمات لانه في خطرِ دائم

قاطع ذكرياتي صوت أمه المبحوح و رؤيتها مذهولة وهي تنظر لي بنظرات انكسار
كأنها تقول لي:
لقد أنكسر ظهري..
لقد ذُبح حلمي...
وهي تتوسل  بذلك التابوت أن يريها وجهه الجميل
وجه وحيدها و فلذة كبدها
وقتها فقط… صرخت معلنةً عودةروحي إلى الواقع المرير
وأطلقت العنان لدموعي وصرخاتي بالخروج
كنت اتقطع الماً..لكني حافظت على الوصية
لم اخدش وجهاً
ولم اشق ثوباً

لا أدري كيف مضت تلك الليلة الحالكة السواد
لاادري كيف مرت تلك الساعات
كل ماشعرت به
أن جبلاً من الالم قد اعتلى قلبي
كنت ارتعش خوفاً من أن ماتراه عيني حقيقة

لم أشعر بشعور مشابه لتلك الليلة ابداً
مهما حاولت لن استطيع وصفها

بعد ان عادوا من المغتسل وضعوه في المسجد وتجمهر حوله الناس وكلٌ يدعوا له بالجنة
كل من يعرفه بكى عليه بكاءً شديداً
فقد كان محباً ومساعداً وكريماً مع الجميع

وسط العويل والبكاء
حان وقت صلاة الصبح
انه موعد لقائنا
فقد كان يتصل بنا جميعاً ليوقضنا للصلاة
بعد ان يشرح لنا فوائدها وتبعاتها في الدنيا و  الآخرة
هيا ياحبيبي قم للصلاة
ف الملائكة استفقدت صوت اذانك وادعيتك
قم ارجوك واثبت لنا اننا في كابوس

أشرقت الشمس معلنةً عن ساعات الوداع الابدي
ويالها من ساعات مريرة

في ذلك اليوم إلذي تمت فيه مراسم الدفن
كانت الدنيا تمطر مطراً خفيفا كذلك الذي رأيته في الحلم
مطراً بلون (الوجع)
كانت حباته تنزل ك النيران على قلبي
ف تأكله حبةً حبة
لم أكن أعي ماذا يحدث
أو بالأحرى لم أكن اريد أن استوعب أو اصدق
كنت في عالم الذهول
اجلسوني في السيارة ووقتها
أخذت بالتصفيق والزغاريد والقاء الاناشيد
ربما هو الشيئ الوحيدالذي  خفف من  ثقل وجعي
وسط ذهول الأقارب والاهل
بدأتُ بمراسم (العرس)
ذلك العرس الذي كنا قد تحدثنا فيه طويلاً
واكملنا تلخيص كافة تفاصيله
باستثناء العروس
(العروس) التي لم يكن لها شبه في صفاتها سوى في احلامه
أو بالأحرى في جنته
كنت قد أخذت منه وعداً أن لن يزفها احد غيري
وانني اول من يراها
واني من تقرر الموافقة أو عدمها
وانا من تذهب لتجهيزها 
وانا من سأزيين لهما غرفة الزوجية
وانا من سأضع لهما الحناء
وانا من اصورهما
وانا من ازغرد واقول كلمات الفرح

نعم لقد كنت أنانية جداً
ومغرورة بكمية حبه لي
فقدكان يراني صديقة حميمة قبل أن اكون خالة كبيرة
تحولت تلك الوعود إلى غصة موجعة
وكنت مصرة أن أحقق جزأً منها كي لااموت كمداً
اقمت له مراسمَ عرسٌ في خيالي
امتزج بواقعٍ مرير
نفذت وصيته وصدح صوتي مبحوحاً مصحوباً بخيبة
ورددت تلك الكلمات
"هاي الرادها وهاي التمناها
حيدوري البطل ميخاف سواها"
امتزجت كلماتي بزغردات وتصفيق بكل ماتبقى من ذخيرة قوتي
كان طريق النجف طويلاً طويلاً جداً
لا ابالغ أن قلت انه كان كألف سنة
أو ربما اكثر
كانت الدنيا بلون الظلام
مغبرة ومظلمة لاادري ان كل الكل يراها بهذا اللون الغامق
تمت مراسم الدفن
وعدنا ك جثثٍ قتلى في معركة خاسرة
حيث لايعرف المرء
أين يهرب من وجعه
إلى أين يفر المرء من هذا الصدع الذي سكن في قاع روحه
ثمة فراغ لايُملأ
وغصة لاتزول
ثمة أشخاص لايُسد فراغهم
ملتصقين بالذاكرة
يذكرنا بهم كل شيء
تذكرنا بهم قطرات المطر
ووقت المغيب الاحمر
ذلك الكرسي المهترأ في وسط الحديقة
رائحة الخبز المحمص على نار الموقد
نكهة الشاي المُهيل
الطماطم المحمص التي كانو يحبونها
حلاوة الشعرية المغدقة بالسكر
سنديانة الورد التي تعتلي الشباك
وتلك الأغراض القديمة التي تتكوم خلف باحة المنزل
شجيرة الجيران التي ملأت اوراقها سطحنا
الماء الذي ينساب في ساقية الحديقة
صوت دقات الساعة
رائحة العطر الذي كان يملأ أجسادهم
رؤية أقرانهم واصدقائهم
سماع الأخبار ومايحدث من مستجدات
جهاز مكافحة الارهاب
الانبار
منطقةالبغدادي
منطقةالملعب
مهند ومحمد
محمد الاعاجيبي
كلمات الأذان
وقت الصلاة

كل مايتعلق بهم

كلها ذكريات تدق في خلايا الدماغ
فتأكل محتوياته بلارحمه

ليس  هناك ثمة مفردات تصف حجم الدمار والقهر والوجع الذي إنساب على قلوبنا
هناك شعور يسيطر على الإنسان في مثل تلك الأحداث ليس له عنوان
هو ك السرطان
يأكل اوردة القلب ويشعل غابة من النيران داخل الروح

لم يفارقني طيفه أبداً
تلك الابتسامة النقية لم تفارق لُجين عيني
إلى الآن
عيناه الواسعتان خديه الحمراوين
شاربه المشبع بالرجولة
وتلك اللحية المحددة ببياضه الناصع
و تفاحة آدم التي تتوسط رقبته
وطوله الممشوق
لم تفارق مقلتي تفاصيله
ولن تفارقني ماحييت

والله ماشرقت شمس وماغربت الا واسمك مقرون بأنفاسي

بعد هذه النكبة
كنت أشعر دوماً بأن قلبي مثقوب
لم يفارقني هذا الشعورابداً
دخلت نوبة كآبه مفرطة
اعتزلت الحياة

كرهت الهاتف...
أو بالأحرى
أصبحت اخاف الهاتف
ف الذكريات الجميلة والرسائل الكثيرة تذكرني بالانتكاسة
كرهت الالوان.. عدا اللون الاسود
ربما لأنه يمثل مرارة لوعتي
كرهت الواقع
اعتزلت سماع اي شيء
فالمجالس الحسينية والأناشيد كانت تشكل حول قلبي دائرة من الضيق
بتُ اخاف من المواجهة
مواجهة تلك الكلمات التي يصدح بها الشعراء
فهي تجسد مأساة الفراق
كل كلمات الشعر كانت كأنها تتغنى به وتقصده
كل الكلمات كانت تبث بداخلي شعوراً مؤذياً
كنت هاربة من الواقع ..اهرب الى عزلتي وخيالي الذي كان يسمح لي دوماً وتكراراً برؤية ابتسامته النقية

كان بداخلي  شعور أعمق من كل كلمات الوجود...
لااعتقد أن الطبيعة قد وجدت له مسمىً بعد...
شعور يختزل كل المشاعر التي هطلت على قلبي ذلك الوقت
والتي خنقت دقاته في فقاعة من الاعتصار
شعور كان  موجعاً للحد الذي خسرت بعده ادراكي  بأي شعور بعده
فتساوى بداخلي كل شيئ
وفقدت محتوى التعبير عما بداخلي

حاولت أن أتأقلم أو أن احتوي تلك الفكرة القاهرة التي تتضمن أن رحيله ابدياً
كنت افشل دوماً...
مع انه لم يبارح ذاكرتي  كان متشعباً في خيالاتي
لم يكن من السهل أن انتزع تلك الابتسامة من جدران قلبي
كنت أخاف حتى من نطق اسمه
اخاف من كلمة (رحمه الله)
اخاف من مواجهة رحيله بهذه الكلمات
والى الان انا لم انطق اسمه ابداً
استبدلته ب( الغالي)

ذات يوم اتصلت
(ام  محمد)
محمد… صديقه الذي كان برفقته وقت الاستشهاد
وروت لنا تلك الحادثة الاليمة
روتها بدموع حارقة وصوت مبطن بالنحيب
مع صيحاتنا وعويل قلوبنا
قالت:
أنه( حيدر) كان يصلي في حديقة المنزل
وقد سبقه أصدقائه الذين كانوا قد أكملوا تحظير وجبة الغداء وجلسوا ينتظرون (حيدر)
كي يأكلوا جميعاً
وما أن هوى ساجداً،..
حتى سُمع صوت دوي هائل
وصار في الجو كومة غبار احمر
وسرعان ما تأكدوا من رحيل
ارواحهم المطهرة الى جنات الفردوس

في المغتسل...

كان حيدر ك فلقة القمر
حته خدوده لم تفقد احمرارها
مبتسم الثغر
محلقاً نحو تلك الجنة
التي لطالما كانت حلمه الابدي
في ذلك اليوم 19/2/2015
رحلت كوكبة من اشجع الفتيان
الذين
كانوا قد سئلوا الله أن لايفرقهم اابداً
وأن يرزقهم  الشهادة معاً
وقد حقق الله أمانيهم

     ورحل شهيد
ومنذ تلك الجنازة التي رُفعت ..
وسارت بها خطوات وجعي ..
منذ ذلك اليوم الذي لايُفارق  مخيلتي…
تُرجم صراخي بين اصوات صراخ المحبين ..
جزءً من متاهات عدم التصديق برحيله..
كيف لي ان اقنع روحي  بغيابه..
عقلي يدرك تمامآ انه رحل
ولكن قلبي…
  لم يحتوي فكرة رحيله الابدية
الى الآن…
لم اتعود على تصديق روايات انه في عداد الذين اذا ماذْكر اسمهم قورن برجاء الرحمة..
او انه يسكن في قبر… 
اذا ما اشتقته اتوجه اليه لأتحدث معه
وابكيه
دون رد.. او جواب

مرت اعوامٍ على عدم حديثنا
وعدم رؤية وجهه الجميل

وعدم اتصاله اليومي للاطمئنان عني
وعدم سماع ضحكته التي نامت بين اضلعي الى الآن

لا خيار لي غير القناعة بأنه لن يعود بعد الان..
فهو بأمان الله  حيثما كان.. 
استودعته عند الله والله يحفظ الامانات
رحمه الله واسكنه فسيح جناته..
وملأ فراغه بقلوبنا..

بقلمي
عبير حميد
كُتبت في 19/2/2017

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق