الخميس، 23 يوليو 2020

العرافة.... للمبدعة تغريد الخليل

العرافة ..

    العلةُ فينا ..نحن ندري ولكننا نتجاهل الدراية ، نسابق الزمن في لحظاته وثوانيه ..
نحن دائبو الحركة وباستمرار مقيت ..لكن لا قيمة للوقت في أكثر الأحيان ..
وعلى قارعة الطريق كانت إحدى العرافات بالقرب من الكورنيش البحري لمدينتي جبلة ..حيث اعتدت المشي على طوله  ، والعرض لا حدود له إلا السماء..
العين ترصد حركة الأمواج التي تعانق الصخور بقوة وعنفوان حد التفتيت ..وهي الثائرة الهائجة الهدّارة ..لكنها ما تلبث أن تزول وتتلاشى إلا من زبد فارغ يلهث للقاء حورية ساحرة على شاطئ البحر ..هذا ما خُيّل إليه ..ولكن هيهات ..

   هذه رؤية العين ، أما رؤى الفكر فهناك حيرة وشرود تطبق على المكان وتصبغ الزمان بمزاجه الأصفر..وكأننا في شرودنا نهرب من واقعنا ونجتازه إلى عالم آخر فيه الأنا..والأنا ..حيث التجرد والشفافية المطلقة والبوح والسر وكل هاتيك القصص غير معلن عنها في عالم الحقيقة ..وهنا يتربع الخيال العرش وكل المطارح وله الحق والخصوصية ..له بوحه الشفيف لحكايا ورغبات نتمناها حياة دائمة لولا حكم العرف والعادة ..

    رأيت في ذلك الصباح طيور النورس تصفق بأجنحتها ترحب بي ..لا إنها لا تعرفني حق المعرفة إلا من بعض قصائد كانت قد زارتها في رفقة ما ..لدرب يطول أو لحبيب يغيب أو صياد يخيب ..والكل عائد مع مصيره صفر اليدين ..وهل إلا الخيبات نحن نحيا؟ 

     آه ..نعم ..تذكرت ..عندما أزلت حجارة قذفها بعض الأولاد الأشقياء حين التراشق بها ..صحيح أنني أمطْتُ الأذى عن الطريق لكنها لم تكن موفقة لأن رميتي أصابت زهرة برية لا تزهر آلا على الحد الفاصل بين الشاطئ وملاك الصخور ..

  يبدو أن صباحي حافلاً هذا اليوم ..أزلت الحجارة من قلب الوردة ومررت عليها بكلتا يدي كنوع من الاعتذار وطلب الصفح ..وجعلتها محاطة بتلك الحجارة حين رصفتها بمهارة وفن ..

   أما صوت العرافة لم يفارقني منذ أن لمحتني ..ولم تدرك بعد أنني الغارقة في تفاصيل الحياة ومكنونات الطبيعة ..والجزئيات ...
نعم ..مازالت تناديني : (يا حلوة) !
التفت ..من ؟ أناااا؟ 
آه منك ..لست بالحلوة التي تقصدين ..أوَتخدعينني بنعوتك المنمقة لاستجداء رزقك ..بفتح الفال؟ ..لقد أخطأت هذه المرة ..كل كلمات المديح والإطراء لا تعنيني..قلت لها..
وفي نفسي : وكأنني بحاجة لمن تبصر لي ..وكأنني لا أعرفني..!!!
وتابعت ولم تتوقف وتعجبت من نفسها الطويل وإلحاحها الغريب :
في قلبك غصة ، وفي عيونك دمعة حزن ، وأنت محسودة ..وووو.

يا إلهي ! راحت تصف كلامها ببراعة وتزيد قي لفت الانتباه لتذكر أشياء وتفصيلات دقيقة عن حياتي..هنا توقفت ..وصارت الغصة غصات واغرورقت عيناي بدموع حرّى ، فتنفست الصعداء وأذنت مقولتها ..ثم ساقني الفضول لأعود إليها ..لأعرفَ مالا أعرفه عن نفسي ..هكذا يبدو ..
تناسيت كبريائي للحظات ورصدت الطريق لئلا يلمحني أحد الأصدقاء ..وأنا التي عرفت بالإيمان المطلق بالله العلي العظيم والتعالي عن كل خرافات وتبصير ..والعلم فقط عند الله ..
لكن هذه البصارة ..البراجة ..أذهلتني بكل ما قالت ..وما لاحظته أنها لم تبعد نظرها أبداً عن عيني..هل لأن العين مغرفة الكلام؟ أم أنها تقرأ الأفكار من العيون؟ 
وما توقفت عن الكلام المتقن الجميل..وهل كنت أصغي لها ..لا أظن ؟
نعم كل نساء الأرض لهن ذات القصص والحكايا من الشغف و البخت وهموم الأسرة ومتاعب الزوج أو هناءاته ..وضغوط الحياة ..والحسد ..والغصات مالئة كل القلوب..
ورغم يقيني بالله دون غيره ..
أدهشتني تلك العرافة ..
ومازلت إلى هذه اللحظة أتذكر جزئيات حياتي بلسان العرافة ..
التي تركتني في غمرة  الحيرة ..
مارأيكم أصدقائي؟ هل مررتم بذات قصتي..

تغريد الخليل 
سورية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق