السبت، 9 مارس 2019

قصة قصيرة..سعيد على أربع بنات --- للمتألق يسري ربيع داوود

قصة قصيرة :

سعيد على أربع بنات 

الكاتب.. يسري ربيع داود 

............ 

          توقفت سيارته في الجهة المقابلة لمستشفى ( العاصمة) للولادة، شرد ذهنه للحظات.. يشاهد اللوحة المبهرة بأضوائها المبالغ فيها.. توقظه ( فرحة) من شروده المستمر منذ هذا الحمل غير المرغوب فيه ، بنبرة ملؤها الإنهاك واللامبالاة تزفر : ( هيا لنلحق بالطبيبة قبل دخول الصلاة...).

نظر إليها نظرة غائمة كأنه لا يراها، ولم يعرها اهتماما ولا جوابًا، ترجّل من سيارته، لم ينتظر أن يحمل عنها ابنتهما ، يتحركان صوب المستشفى، تلفع الزوجة بنتًا على صدرها، وأخرى في بطنها.. تجِدُّ الخُطى.. تسرع رغم ثقلها لتمسك يده  ليس خوفًا على نفسها من الطريق ولكن خوفًا على زوجها الشارد دائمًا من عبور الطريق. 

يعود (سعيد) بذاكرته قبل شهرين من قدومه إلى المملكة، كان يجلس مع والده الذي أقعده المرض، يريد الشيخ أن يحمل حفيده قبل أن يغادر الحياة ، هو الآن بين يدي الله، يرفع دائماً يديه المرتعشتين طالبًا من الله أن يقر عينيه بحفيدٍ  من صلب سعيد، الشيخ يخاف أن تُجتَزّ شجرة العائلة بموت ولده. 

منذ أن دخل عليه سعيد وهو يحمل إليه خبر حمل زوجته بأنثى لم يفارق لسانه الدعاء باشتهاء الولد ، يشعر سعيد وقتها بخيبة أمل نتيجة ردة فعل الوالد، بيد أن زوجته (صافية) دائمة الصبر والتصبر تريد دومًا التمسك بحبائل الله، كانت دائماً تقول : ( الصبر يا أبا سعيد، مازال ابننا صغيراً والعمر أمامه، وهو على سفر فلا تصبه بالغم والكدر، وكله بقدر الله، وان شاء الله ربنا يبارك له في البنتين ويخاويهم، ألا ترى جارنا أبا إسماعيل رزقه الله بالولد بعد خمس بنات... ثم ما لبثت زوجته أن صارت مثل الأرنبة ؟ .) 

أفاق سعيد على نقرة محبة مشفقة على كتفه، تطلب منه أن يحمل عنها البنت لتدخل عند الطبيبة..

"تعرفي منها على موعد الولادة، فلا استطيع القدوم هنا مرة أخرى، وتعرفي أيضا على حالة الجنين، بسرعة ارجوكي..."

كلمات يلقيها من على كاهله وما يحمله من هموم أكثر، يتحين يوميا سماع نبأ وفاة أبيه وكله رعب وحزن في آن واحد.

تدلف الزوجة إلى الطبيبة التي على بعد خطوات منها. 

تنزل (سارة) من على يد سعيد لتجوب المكان وتملأه بالفرحة المتناثرة من اسمها ، يستشعر سعيد تفسير الآية" وإذا بشر أحدهم بالانثى ظل وجهه مسودًا وهو كظيم" يستغفر الله، كأن الآية تنطبق عليه مذ سماعه خبر بنته في بطن أمها، يشرد كثيرا، يعالج نفسه بالذهاب والعودة في العيادة، لا يأبه بالنظرات من حوله، ابتعد عن عيادة الحمل و الولادة... فجأة.. تظهر زوجته من باب الطبيبة مسرعة متلهفة... يراها تدور بعينيها كطائر القبرة تبحث عن أفراخها بلهفة، تبدو عيناها لامعة بشكل لم يراهما  قبل عام تقريباً، لا بد أن لديها شيئًا هامًا ، يشير إليها من بعيد، يناديها باسمها على غير عادة الرجال أمام الجميع تأتي إليه بلهفة، تدور عينها لتلف جسم سعيد كله، تعالج الدموع بإصبعها... تمسح أنفها بطرف خمارها.. تحاول الكلام فلا تستطيع، يمسكها سعيد من كتفيها.. عيناه تحاور عينيها.. قال لها في وجلٍ : ولد؟

تجيبه بإماءة من رأسها، يريد احتضانها، دمعات تترى من عينيه من هول المفاجأة السارة، يعج المكان بفرحة عارمة نتيجة ما حدث بين الزوجين ، يترك زوجته، يدخل مسرعا إلى الطبيبة، يهدهد أنفاسه المتلاحقة، يتمالك نفسه، قال بصوت خائف :" دكتورة.. انا زوج السيدة فرحة، انا وحيد على بنات أربع، وقد علمنا من طبيبها المعالج في مصر ان في بطنها بنتًا، أريد أن اتأكد لأخبر أبي قبل أن يموت، ارجوكي تأكدي لي..."

ترمقه الطبيبة بنظرات القائد المظفر، وتشير بمؤشرها إلى علامات الذكورة على شاشة السونار، اطمأن سعيد، وأخرج هاتفه، اتصل بوالده، ترد والدته، لم يستطع الكلام يدافع اللهفة المشوبة بدموع الفرح ، التقطت الطبيبة جوال سعيد من يده، قالت لوالدته :" السيدة أم سعيد. ألف مبرووك، زوجة سعيد حامل في ولد.. الف مبارك...

انتقلت الأفراح إلى قريته التي ملأت البيت بالأفراح والزغاريد.. دبّت الحياة في جسد الشيخ الذي هوى إلى الأرض ساجدًا. 

خرج سعيد من المستشفى، يمسك بيد زوجته، يحمل ابنته على كتفه، يوقف سيارات الشارع، يخاف سعيد على زوجته هذه المرة  من عبور الشارع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق