رسالة الی ولدي ..
بعد السلام ...
ومن غير مقدمات .... أبدأ بالكلام ....
ولدي الغالي .. ها هي الأيام تمر مسرعة، وقد مر علی بعدك شهور معدودة إلا أنها مرت علی والدتك وكأنها سنين طويلة ..
ولدي .. أكتب لك هذه الرسالة وانا خارج البيت حتی لا تعلم أمك وتنهمر عبراتها من جديد ..
أتذكر يا ولدي يوم سفرك وما قبله، كيف كانت تساعدك في حزم أمتعتك، وكنت سعيداً برحلة السفر؛ التي سوف تأخذك بعيداً عن دفء أحضانها، ومع ذلك تماسكت كي لا تفسد عليك سحر اللحظة وجمال الذكرى، وهي تعلم أنه من حقك أن تنظر للحياة بتفاؤل الشباب، ومن حقك أن تنظر للآتي بعين الأمل الخافق بين جناحيك التائقة للتحليق بعيداً عن العش، يومها رفضتَ أن تصطحبك إلى المطار وخيرت صحبة أصدقائك، محاولاً أن تثبت لنا جميعاً أنك أصبحت رجلاً .. فالرجولة في مجتمعاتنا تعني القسوة أحيانا، واذكر حينها كيف وقفت عند عتبة البيت تشاهد خيالك الغالي وهو يمضي ويبتعد بخطوات ثابتة، في حين كان قلبها يتلاشى في دقات واهنة، وسكبت خلف خطواتك الماء العذب كي تعود سالماً، كما هي عاداتنا مع المسافرين، وسكبت كل دموع قلبها التي صمدت في مقاومة هطولها في حضورك، ومع صوت الآذان الذي ارتفع على مدينة بائسة بعدك، خالية، حزينة مقفرة، سجدت وطال سجودها وألحت في الدعاء لك بالحفظ والعافية والنجاح ..
ولدي .. شهور مضت وهي ما زالت تنظف غرفتك كل صباح، وتجلس على سريرك تتناول قهوتها الأولى وهي تتأمل قسمات وجهك الوسيم؛ وإبتسامتك العذبة على الصورة المعلقة في صدر الغرفة، ترتب ملابسك التي تركتها مستغنياً عنها، لكنها لم ولن تستغن عنها، حتى أنها لم تقو على غسلها كي تظل عابقة بعطر أنفاسك، وكلما ضمتها إلى صدرها وجدتتك قريباً منها، ووجدتك بين ذراعيها،
وبعد ممارسة هذه الطقوس اليومية في الحديث إليك والدعاء لك وترتيب أدواتك وأشيائك التي تحرص على أن تظل كما تركتها قبل سفرك، كانت تنفض بعض الغبار عن مخدتك، وتتمنى أن تتصل ولو بمكالمة قصيرة تخبرها فيها عن مدى شوقك لها، تتمنی أن تفاجئها بزيارة ولو لسويعات معدودة، تروي فيها شوقها إلى ضمك .
ولدي .. طيفك لا يفارق مهجتها وقلبها لا مكان به لغيرك ومع كل هذا الشوق المضطرم بين أحشائها، حيرها صمتك وجعلها تشعر بظلم هذه المفارقة العجيبة،
ولدي الحبيب .. هل نسيتنا ..؟
وهل أن الدنيا أصبحت حقاً قادرة على محو كل الذكريات الحلوة والأحاسيس الصادقة حتى من قلوب الأبناء،
فحاول يا ولدي .. بالله عليك .. أن تتذكرنا ولو بقوس تفتحه لنا في قلبك كل مساء، وتتذكر سهرها عليك رضيعاً، وحنوها عليك طفلاً؛ وإعتزازها بك شاباً يافعاً؛ وخوفها وانشغالها عليك مسافراً وحيداً متغرباً.
آه حبيبي وقرة عيني، كم نحن مشتاقون إليك، وكم أرجوك بكل نبض في قلبي أن لا تنسانا، وأن لا تنسى بأننا هنا في انتظار كلمة منك . فحاول أن تتذكرنا أرجوك ...!
من قلب يحترق شوقاً أقول لك .. سلام
خليل حاج يحيى
فلسطين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق