الاثنين، 20 أبريل 2020

وفّقت بالرّدّ يا عبد ... من ذكريات بيروت للأديب ساحر الحرف عبد الرّزاق سعدة

وفقتَ بالردِ ياعبد
===========
( قصة واقعية)
في عطلة صيف ١٩٦٩ وبعد نهاية الفصل الدراسي اتفقت مع بعض أصدقائي بأن نذهب إلى بيروت مثل كثير من الشباب الذين يبحثون عن عمل ويذهبون إلى بيروت للعمل هناك أثناء العطلة الصيفية وكانت فرص العمل في لبنان أفضل من عندنا في تلك الحقبة من الزمان ، 
وبعد أن وافق والدي رحمه الله على الفكرة سافرت وأصدقائي
و استأجرنا بيتاً نسكن فيه في منطقة النبعة وكانت العادة أن نلتقي بعض المعارف وهو قريب أحد رفاقنا لمساعدتنا في العثور على العمل. 
حيث ذهبنا بعد أن ارتحنا من السفر في صباح اليوم الثالث معه إلى محل بائع طلاء يتردد عليه المعلمون بغرض شراء المواد والتعرف على العمال الذين يبحثون عن عمل، رحب بنا صاحب المحل وتعرف على أسمائنا وهو يعرف المعلم الذي كان يرافقنا وبعد قليل حضر معلم كان في العقد الخامس من العمر وطلب بعض المواد ثم قال لي هل تبحث عن شغل ؟
قلت : له نعم، 
قال : هل اشتغلت  من قبل بالدهان؟
قلت : نعم كنت أعمل في العطلة الصيفية لمدة ثلاثة أشهر ، وبعد أن أعطاني فكرة عن عمله وأنه متعهد أعمال شركة ( موبيل اب) البترولية المشهورة لجميع أعمال الدهان والبويات لمحطاتها والمعدات وكان مقرها في انطلياس على البحر في بيروت وبعد أن اتفقنا على الأجرة اليومية حسب عادتهم في بيروت وكانت عشر ليرات لبنانية في اليوم.
ركبنا معاً في سيارته حيث دخلنا مقر الشركة الذي  يشبه معسكر الجيش كان هنالك كمية كبيرة من طرمبات ضخ البنزين المستعملة بحاجة إلى تجديد شكلها من الخارج ودهانها بعد أن تم إصلاحها مكنيكيّاً؛ 
قال لي معلمي أبو جانو وهو من الجالية الأرمنية حيث يتكلم العربية بركاكةٍ؛ 
هذا عملنا الآن ياعبد هو تجديد الطرمبات والصهاريج ناقلات البنزين والديزل وسوف أعلمك مراحل العمل من أساس ومعجون وصنفرة ثم البخ بالفرد بألوان الشركة الأزرق والأبيض ويجب عليك أن تعمل بتأنٍ وروية لتسليم الطرمبة وكأنها جديدة للشركة وكان قد أعطاني ما أحتاج إليه من مواد وأدوات أحتاجها للعمل مع تعليمات عن فكرة  البخ بالفرد ( الديكو) كما يطلقون عليه بعد الصنفرة والنظافة الخارقة؛ 
وأشار لي على مطعم الشركة لأذهب إليه عندما يحين وقت الإفطار أو الغداء حيث يتم التنبيه بواسطة منبهات الصوت والطعام مجاناً على حساب الشركة مع باقي الموظفين كعادتهم . 
 ثم قال : أنا عندي شغل في بعض المحطات حيث المعلمين يعملون هناك ولسوف أعود إليك بعد أن انتهي من تسليمهم العمل والمعلم هو الشغيل المدرب والمتمرس بالمهنة . 
ثم تركني أشتغل لوحدي وغادر المكان . اشتغلت حسب تعليماته
والحقيقة أنني أول مرة أعمل بفرد البخ أما الدهان بالفرشاه فقد كنت عملت به كما ذكرت من قبل عدة مرات في حماة أثناء العطل الصيفية ،
وبعد عدة ساعات أتى معلمي وكنت قد أنهيت تقريباً بخ الطرنبة فلما نظر إلى ما أنجزت من عمل وضع يديه على رأسه وقال : ياعمي شو هالشغل هيدا ليش هالزرزبة ؟
ثم فجأة بصق عليَّ وقال : هيدا مو شغل يامعلم قول انك مابتعرف تبخ بالفرد ؛؛؛؛
ثم فصلت بيننا بضع دقائق فكنت كمن يأكل الطير من رأسه ؛ 
كانت الأفكار تمر تترا في ذاكرتي
ماذا أفعل ؟؟؟
لقد أهانني وجرح  كرامتي هل أفج رأسه  بفرد البخ المملوء بالدهان أو أخرج موس الكباس من جيبي وأوكزه في بطنه؛
أم أرميه أرضاً وأنا شاب مفتول العضلات رياضي وهو رجل كبير ضعيف وأدوس عليه حتى أصرعه ثم أهرب وهو لايعرف اسمي الكامل ولا أين أسكن فبيروت كبيرة، وأقل مايمكن كان باستطاعتي أن أبصق عليه وأترك العمل وأمشي وليس له عندي أية حقوق فأنا أعمل بدون عقد ولا تأمين ولابطاقة عمل حيث إنني قدمت إلى لبنان تهريبا دون أن أدخل عن طريق جمارك الدبوسية إنما خضت النهر من الجانب السوري إلى الأراضي اللبنانية في الطرف الآخر مع رفاقي ومن ثم تابعت سيري بالسيارة التي كانت تنتظرنا بعد الجمرك اللبناني ؛؛؛ 
كل الظروف كانت مواتية لي لأن أقوم بأي ردةِ فعل وأهرب ولن يستطع أن يصل إليَّ بأيِّ شكلٍ من الأشكال، كل ذلك كان متاحاً لي وليس صعباً  لكنه ماكان ليرضي أخلاقي ومبدئي ...
فجأةً هدأت العاصفةُ وأدركتُ أن
التعقل خير لي من كل ذلك وبأن الحلم سيد الأخلاق، أخسر عملي ويمكن أفشل في مجيئي إلى بيروت للعمل وأعود إلى بلدي صفر اليدين ؛؛؛ 
 بعد ذلك هدأت نوعاً ما أعصابي فوضعت فرد البخ فوق الطرمبة ومددت له يدي لأصافحهُ ثم قبلتها ؛؛؛؛ 
قلت له : أنت معلمي أبو جانو
وأنت تمون عليّ ...
كان تصرفي هذا مفاجأة له صدمةً عنيفة عليه ولم يكن يتوقع مني هذا التصرف وكان يهيئ نفسه لردةِ فعلٍ على وجهِ آخر مني وهو يعلم بأن الكرامة غالية وكم من حادثةٍ مشابهة لهذا الواقعة سمعنا بها بين عامل غريب وأحد المواطنين اللبنانيين حصلت وكانت نتيجتها وخيمةً
قتل وفرار أو السجن أو ما شابه ذلك ثم وضع يده في جيبهِ وأخرج علبة السجائر والولاعة وأشعلَ سيجارة ثم جلس على الرصيف وهو متوتر الأعصاب ووضع مرفقه على فخذه واتكأ بوجهه على كفه وهو يسحب سيجارته بنهمٍ وتفكير عميق وكان يدخن كثيراً  وما برحَ أن قال : ياعبد قلت : نعم يامعلمي قال : تعال اجلس بجانبي ؛؛؛ 
جلستُ بجانبه على الرصيف 
وما كانت ردَّةُ فعلي تلك لتغني عني شيئاً ولتردَّ لي كرامتي ولا كنت أتوقع منه أي اعتذار أو مكافأة أو أن يجعل مني معلما، رجلا أعتمدُ على نفسي بالعملِ لوحدي وأن يسلّمُني العمل ببخ الديكور لأهم المحلات التجارية لبيع الملابس الفرنسية والإيطالية والنوفوتية في أهم وأشهر شارعٍ من شوارعِ بيروت هو شارع الحمرا المعروف بأناقةِ ديكوراته ؛؛؛ كل ذلك في عطلة المدارس في الصيف خلال مدة ثلاثة أشهرٍ ونيف وقبل أن يحين وقت عودتي إلى سوريا كل ذلك كان كالحلم ؛؛؛ 
قال لي : اسمع ياعبد أنا لست نادما على تصرفي معك ولكن سأجعلك مثل أحد أبنائي وأعلمك المصلحة في وقت مثالي ويعتبر قياسي ولكن الذي أرجوه منك أن تنتبه لتعليماتي وتنفذها بحذافيرها ، قلت : حاضر يامعلم  
ثم أخذ يدي وهو يقول تعال وأمسك فرد البخ ووضعه في يدي ووضع يده فوق يدي وأخذ يحركه من اليمين إلى اليسار وبالعكس وهو يضغط على الضاغط فوق إصبعي حتى أنهى بخ الطرمبة إلى الأسفل  وهو يقول هيك بتشتغل دائماً وعليك  ألا تقترب بالفرد نحو الطرمبة كثيراً حتى يكون العمل مثاليا ونظيفا ثم يتمتم بضع كلمات بالأرمني وأنا لا أعرف مايقول ومع أن جدتي والدة أمي كانت تتكلم الأرمنية ولكن ما علمتنا شيئاً من لغتها رحمها الله...
ومرت الأيام وهو يعلمني المصلحة بكل طيب خاطر وبكل معاملة حسنة كان يعاملني كأحد أولاده ويصحبني إلى شقته الكائنة في برج حمود وعرفني على عائلتهِ ودعاني للعشاءِ عدة مرات في بيته؛ وكنت كمن يقطف ثمار عقلانيته وحلمه في الرد على تصرفه الذي بدر منه في مقر الشركة وقد كنت في منتهى اللباقة والأدب في التعامل مع أفراد أسرته بعد حوالي شهرين من العمل معه قال لي وقد كنت في منزله : ياعبد ألم تشتق إلى أهلك؟
قلت : نعم يامعلمي أول مرة أغيب عن أهلي وأتغرب عنهم هذه المدة ؛؛ 
قال : مارأيك أن تذهب إجازة إلى أهلك بحماة لمدة أسبوع وعلى حسابي الخاص وسوف أدفع لكَ أجرة الطريق ذهاباً وإياباً ومدة غيابك عن العمل ولكن على شرط
أن تحضر لي معك من حماة تنكة جبنة غنم  وأنا أدفع لك ثمنها 
قلت : بالله عليك يامعلمي أبا جانو كلامك  جدّ 
 قال : نعم وزوجته كانت شاهدة على كلامه
قالت : بعد أن أخبرتنا بأنك من مدينة حماة وأن جدتك لأمك من أرمن تركيا وهاجرت أيام سفر برلك مع جدك الذي كان مجنداً في الجيش العثماني سأل عنك معلمك أبو جانو أحد أصدقائه في السوق عنده محل نوفوتيه وهو من بيت كركوك من حماة وعندهم محلجة قطن في حماة فقال له : نعم أنا أعرف جدته كانت تتردد إلى عندنا في البيت وهي على علاقة صداقة مع والدتي ومشهورة بالطب العربي في تجبير الكسور وعلاج المفاصل ؛ بعد ذلك أصبحتَ أكثر مودةً عند معلمكَ أبي جانو وقد طلبت منه أن يشتري لنا مانحتاجه من مونة الجبنة فجاءته هذه الفكرة بأن يرسلك بإجازة وتحضر لنا الجبن من حماة وهذا ماحصل بالضبط . 
فقلت وأنا أكاد أطير من الفرح :  أنا لا أصدق هل أنا في حلم
قالت أم جانو : لا ، حقيقة  فنحن نعلم أن حماة مشهورة بالألبان والأجبان والسمن العربي الأصيل، قلت : نعم يامعلمي أنا موافق وسوف أحضر لكم من أجود أنواع الجبن الحموي فإن والدي له أصدقاء تجار ألبان وأجبان وسوف أطلب منه أن يشتري أفضل أنواع الجبن إن شاء الله 
قال : بما أن غداً عطلة فعليك الذهاب اعتباراً من يوم غدٍ ومعك مدة أسبوع لتعود إلى شغلك ؛ ثم أعطاني مبلغا من المال يكفيني مصروفا وثمن الجبنة وكانت الليرة اللبنانية تعادل ليرة ونصف سورية تقريباً
وكنت قد ادخرت مبلغاً من المال من أُجرتي خلال الشهرين الماضيين ؛ وفي اليوم الثاني توجهت إلى كراج السيارات وركبت إحدى السيارات المتجهة إلى حماة وفي الطريق سألني سائق السيارة هل أحمل هوية سورية قلت نعم قال : الآن أصبح بإمكان السوريين الدخول والخروج إلى لبنان بالهوية الشخصية ؛؛؛
وقد وفر لنا مشقة العبور تهريب؛ وعند وصولي إلى البيت كم كانت فرحة أهلي بلقائي كبيرةً  وأخبرتهم عن سبب عودتي ورحبوا بي كثيراً وأخبرت والدي رحمه الله بقصة الجبن فقال لي إن شاء الله قبل موعد سفرك بيوم أشتري لك تنكة الجبن لأنه يجب أن تبقى بالتبريد
لعدم وجود ثلاجة عندنا بالبيت
وقد أعطيت والدي ما ادّخرت من مال وأبقيت مبلغاً لي كمصروف للمدة التي سأمضيها في حماة
وما يكفيني للعودة إلى بيروت
وقبل موعد سفري بيوم اشترى لي والدي تنكة الجبنة وبعض الحلويات المشهورة عندنا وهذه
هدية مني ؛؛؛
وفي اليوم التالي انطلقت بنا السيارة إلى بيروت وعندما وصلنا ركبت سيارة أجرة تكسي
وذهبت إلى عندهم في البيت وكان عطلة يوم الأحد فاستقبلني
هو وعائلته بفرح وسرور وأخذوا مني الأغراض ثم دعاني لاحتساءِ فنجان قهوة وقد أبلغته سلام الأهل وعرضت عليه باقي النقود التي بقيت معي زيادة من المبلغ الذي أعطاني إياه فرفض أن يأخذه وقال : غداً تعود إلى العمل
في محل شارع الحمرا ؛؛؛
وتوالت الأيام وأنا في أحسن حال ووفاق مع معلمي أبي جانو
وعند اقتراب موعد افتتاح المدارس حزن كثيراً وقال لي : لولا المدرسة ماسمحت لك بترك الشغل  عندي لقد كنت نعم الشاب الخلوق الذي يحسن المعاملة والتصرف وفقك الله ياعبد ؛؛؛
وقبل سفري بيوم أكرمني بمكافأة قيِّمةً وأوصاني أن أرجع إليه إذا 
قدمت إلى بيروت وودعته وعائلته الذين كانوا في حزنٍ شديد لمغادرتي وسفري إلى بلدي وفراقهم ، ولكن كان لابد من ذلك لأنه اقترب موعد فتح المدارس ولم تعد لدي فرصة إلا بضعة أيام
وفي اليوم التالي انطلقت ورفاقي عائدين إلى حماة .
ما أجمل الرجوع إلى الأهل والوطن  ...
.........................
ذكريات في بيروت
بقلم : #عبدالرزاق _سعدة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق