دراسة أدبيّة نقديّة لقصيدة ( طواف )
للشّاعر هيثم المخللاتي
طواف
...........
بأرض الشام مختوم طوافي
وبالأشعار قد طابت قطافي
فيا حرف سيشرق في سماها
لورد الشام أنثره قوافي
أنا المأسور يأسرني غرامي
قيودي ما سبت مني شغافي
فلا عادت لأرض الشام روح
ولا غنت بأفراحي ضفافي
فمن يروي الزهور بغير دمع
عيوني اليوم تأسرها المنافي
فيا أرض الهناء, وروض عشقي
جبال الشام هزت لاعترافي
هي الأرواح تأسرنا شغافا
وروحي اليوم تصرخ من جفافي
على صدر الشآم تركت جرحي
يناضل في متاهات الزعاف
طيور الرعد وأبلها صهيل
بريق الحب يخجله عفافي
حمام الدوح تحرجه حروفي
وتضحك طفلة عشقت سلافي
-------------------
هيثم أحمد المخللاتي
شاعرٌ كبيرٌ من دمشقَ الأبيّة ، نثر عبير حرفه ياسميناً لفّ خصرَ الشّام وقبّل جبينها حبّاً وطاعة .
قصيدةٌ معطّرة الأنفاس وكيف لا ؟
وهي قصيدةٌ وطنيّة بامتياز ومن غيرها آسرة الألباب تستحق هذا الفيض الغادق من الحبّ والولاء .
على نمط القدامى المخضرمين بنى قصيدته العموديّة راكبا موج الوافر بمهارة
ملتزماً رويّ الفاء المكسورة حيناًوالمشبعة بالياء حيناً آخر .
هذا الحرف الهامس الرّخو الذي لاءمَ حالة شاعرنا العاطفيّة وكأنّه يُخرجُ زفراتِ شوقهِ وحزنه من بين شفاه حرفه منكسرةً متعبة .
النّصّ يتبعُ المدرسةَ الكلاسيكيّة . وقد اختار عنواناً من كلمة واحدة ( طواف ) وهذه الكلمة رمزيّة تحمل معنى قدسيّا ، فمن المعروف الطّواف حول الكعبة ، والشّاعر هنا جعلَ الشّام قبلته التي مهما طاف حولها بلداناً فإنّ ختام طوافه عندها وهذا ما أكده في مطلع قصيدته .
وقد يراد بالطّواف رحلة العمر التي يرغب أن تكون محطتها الأخيرة في دمشق .
العنوان جميلٌ له مدلولات كبيرة حبّ وتقديس للوطن .
أفكار النص :
١_نهايةطوافي عندك وأجمل قصائدي لك يا شام .
٢_لأجل الشّام تتألق الحروف وتنظم القصائد .
٣_أسرتني لكن قلبي مايزال نابضا بحبها ..
٤_ حسرة الشاعر لعدم العودة وإقامة أفراحه فيها .
٥_الشوق و الألم للبعد عن الوطن .
٦_ عشقه العظيم للشّام زلزل جبالها .
٧_حبّ تملك قلبه وروح تصرخ شوقا .
٨_مشاركة الشاعر بلاده الجرح النازف .
٩_حب الوطن المتنزه عن أية مصالح
أسطع ألوان الحب .
١٠_شعر شاعرنا حمل في طياته الحزن والأمل .
عاطفة الشّاعر في النّصّ وطنيّة صادقة
فمشاعر الحب العارم الذي قارب التقديس واضحة في البيت الأول وفي جلّ الأبيات إضافة إلى شوق اعتصره الحزن والالم للبعاد ولجراح الوطن النازفة والصراعات الدامية على أرضه ، والشاعر يجعل جرحه على صدر الشام فهو ابنها وجرحه بعض جراح الكثيرين من أبناء الوطن .
ورغم الأسى والشوق لا ينسى شاعرنا الافتخار بحرفه فهو واثق أنه سيلقى صداه في أرض بلاده وسيشرق في سمائها ، وحرفه برقته وعذوبته وشجنه فاق هدل الحمام وبعفته وتنزهه عن المصالح والرغبات تفوق على كل ما قيل في الحب .
لكن رغم الكم الكبير من الأسى الشوق والحسرة يغلق الشاعر قصيدته على ضحكة طفلة تعشق شعره باثا الأمل بشفاء الوطن الجريح وعودة الابتسامة لوجوه صغاره وبغد يتجدد .
كما أشرت بداية إلى أن شاعرنا قد تسيّد عباب الوافر الذي عرف بسلاسته ورشاقته وموافقته للشجن ، فكان اختياره موفقا وهو الخبير ، قد يتوقف البعض عند عبارة فيا حرفُ ، شاعرنا اراد بالنكرة المقصودة حرفه هو أو شعره ولذلك لم يستخدم النكرة غير المقصودة (فيا حرفاً ) فليس هذا مايريده ، فلا تخصيص هنا .
وللعلم نحن نعلم أنّ المنادى النّكرة المقصودة مبنيّ على الضّمّ في محلّ نصب ، ويحق للشّاعر دون سواه أن ينونه مرفوعاً ليستقيم الوزن وهذا ما فعله شاعرنا وهو جائز له .
كما أغنى الشاعر قصيدته بالموسيقا الداخلية المنسابة من :
التصريع والجناس في ( طوافي ، قطافي )
ومن الكلمات المتشابهة في حروفها : المأسور ، تأسرني _ الأرواح ، روحي
ومن الحروف الهامسة التي وردت بكثرة كالسين والشين والحاء والهاء ، إضافة لبعض حروف القلقلة النابضة التي تناسب الحالة الشعورية لشاعرنا القلقة المضطربة .
وكذلك حسن التقسيم في :
فيا أرض الهناء وروض عشقي .
إذا نص زاخر بالموسيقا المحببة جميلة الوقع والتأثير على النفس والسمع .
أما الجوانب الفنية :
فأول ما يستوقفنا اللغة الفصيحة الثرية بالجمال وبالإيحاء و التي مالت إلى الرقة
والجزالة حيث استدعاها الفخار .
أسلوب تنوّعت جمله بين خبر وإنشاء وإن طغى الإخبار لأنه أقدر على بث الشجون والأشواق والأمنيات .
الإنشاء بدا بوضوح متمثلا بالنداء في عدة مواضع :
فياحرف : خرج النداء هنا عن التنبيه واستدعاء المنادى لافتخار الشّاعر وهذا توظيف جيد ، أضفى جمالا وقوة على المعنى .
فيا أرض الهناء : ويقصد الشام أو دمشق وهنا النداء أيضا لم يكن لغاية النداء بحد ذاته وإنّما للمدح .
فمن يروي الزهور بغير دمع : سؤال هنا يخرج للاستنكار ، ويعبر عن انفعال عاطفي حزن وشوق لأرض الوطن .
وقد أغنى شاعرنا النص بصور بيانية ساحرة من الطبيعة ومن موروثه الثقافي ومن مخيلته الخصبة .
طوافي : كناية عن رحلة العمر ، سفره
قطافي : رمز لقصائده وإبداعه
فيا حرف : كناية عن شعره
سيشرق في سماها : استعارة مكنية الغرض منها المبالغة ، وهنا إشارة إلى ثقة الشاعر بالشهرة التي سيحققها .
أنا المأسور : تشبيه بليغ
يأسرني غرامي : استعارة مكنية جمالها في تشخيص المعنوي وهو الغرام .
شغافي : كناية عن القلب أو المشاعر ( الحب )
غنّت ضفافي : استعارة مكنية بلاغتها في التشخيص .وأراد أنه لم يكتب له العودة لتشاركه بلاده وضفاف بردى فرحته .
تأسرها المنافي : استعارة مكنية
فالبعد عن الشام حرم عيونه رؤيتها .
فيا أرض الهناء : استعارة تصريحية ، صرح بالمشبه به حاذفا المشبه لأن الشام بالفعل أرض الهناء لشاعرنا .
روض عشقي : تشبيه بليغ إضافي .
إشارة إلى أن دمشق مرتع صباه وحبه .
جبال الشام هزت لاعترافي : استعارة مكنية أفادت تشخيص الجبال وجمالها كامن في المبالغة في إظهار عظمة هذا الحب والاعتراف .
الأرواح تأسرنا ، روحي تصرخ : استعارتان مكنيتان ، فيها تشخيص للروح والغاية منها إظهار شدة التعلق بالشام .
جفافي : رمز لشوقه وظمأ روحه لرؤية الشام .
صدر الشام : تشخيص
لو اعتبرنا الشام أما ، فالأم غالبا تتحمل المعاناة والألم عن أبنائها .
جرحي يناضل : استعارة مكنية أفادت تشخيص الجرح
متاهات الزعاف : تشبيه بليغ إضافي
إشارة هنا إلى كثرة القتل على أرض الشام
طيور الرّعد : تشبيه بليغ إضافي
وابلها صهيل : تشبيه بليغ
صورة جميلة جدا ، إن كان الرعد طيوراً فكيف تتخيلون وابلها ؟
سيكون الوابل صهيلا يملأ الآفاق
لربما أراد شاعرنا أن كل ما يجري من جلجلة وقتال لن يعود بخير أو بمطر عظيم القطر .
أو ربما أراد بالرعد الغضب الذي يعم البلاد والذي يستدعي شعراء يكون لحروفهم صوت يدوي في الآفاق ليواكب الحدث .
بريق الحب : تشبيه بليغ إضافي أضفنا المشبه به إلى المشبه .
فإن كان الحب بريقا فهو يخجل من عفاف الشاعر أو حبه النقي الطاهر لأنه فاقه نقاء وصفاء .
يخجل من عفافي : استعارة مكنية
تحرجه حروفي : استعارة مكنية شخصت الحروف.
وهنا يريد شاعرنا القول أن شعره لرقته وحزنه فاق هديل الحمام فأحرجه .
وهذا من قبيل الاعتداد بالذات والتعبير عن كم الحزن .
وتضحك طفلة عشقت سلافي : كناية عن سيرورة شعره وعن الأمل بغد واعد فيه الفرح .
سلافي : أظن خمرة الشاعر شعره .
كما رأينا نحن أمام نص مترف حقيقة بالجمال بالمشاعر الصادقة بالخيال الذي فاق حدود الخيال لا نقاط ضعف تشوبه بل على العكس تماما .
مازال بالإمكان الغوص أعمق ، لكني سأكتفي بهذا أحبتي .
استمتعت حقا في محاولتي المتواضعة لسبر أغوار هذه القصيدة ( طواف ) للشاعر الدمشقي الكبير هيثم المخللاتي ، وله أقدمها هدية مع أطواق الياسمين الدمشقي .
كل الشكر لمن تابع رحلتنا والشكر الأكبر
لراعي صرحنا الكبير غسان منصور منصور
دمتم بخير وإلى الملتقى قريبا .
بقلم : رنا كامل محمود
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق