بحث: أسرار التكرار اللفظي في القرآن
إعداد الدكتور زعل طلب الغزالي
دكتور في اللغة العربية من جامعة دمشق
يتناول هذا البحث أسرار التكرار اللفظي في أسلوب القرآن ، فهذه الظاهرة كانت وما تزال مجال بحث و درس ؛ فكل متأمل في كتاب الله عز وجل تسترعي انتباهه هذه الظاهرة ، فيجد أحياناً أن القرآن يكرر لفظة في آية واحدة ، وأحياناً أخرى يكرر لفظة في أكثر من آية ، وتارةً يكرر جملة في سورة واحدة ، و تارةً أخرى يكرر جملة في أكثر من سورة .
وقد أحصيت من صور التكرار هذه في القرآن الشيء الكثير ، الذي لا يستوعبه هذا البحث ؛ لذلك سأكتفي بعرض بعض النماذج لهذا التكرار وأبيّن الغرض منه .
وقد سرت مع الآيات والسور التي وقع فيها التكرار وفق ترتيبها في القرآن . واقتصرت في هذه الدراسة على النوع الأول من التكرار الذي وقع في القرآن : وهو تكرار بعض الألفاظ أو الجمل .
فلقد نزل القرآن بلسان العرب ، وعلى مذاهبهم ، واستعمالاتهم . ومن مذاهبهم أنهم إذا أرادوا التوكيد والإفهام كرروا . وقد قيل : الكلام إذا تكرر تقرر .
وإذا بحثنا في أشعار العرب وجدنا من هذا التكرار ما لا يأتي عليه الحصر ؛ من ذلك قول الشاعر :
هلّا سألت جموع كندةَ
يوم ولَّوا أين أينا
و قول الآخر :
و كانت فزارة تصلى بنا
فأولى فزارة أولى فزارا
و في القرآن الكريم من هذه الظاهرة نوعان :
الأول : تكرار بعض الألفاظ أو الجمل ، والثاني : تكرار بعض المعاني كالأقاصيص والأخبار .
و الذي يعنينا في هذا البحث هو النوع الأول (( التكرار اللفظي ))، وهو يأتي على وجه التأكيد، ثم ينطوي بعد ذلك على نكت بلاغية أخرى كالتهويل ، والإنذار ، والتجسيم ، والتصوير .
وللتكرار أثر بالغ في تحقيق هذه الوجوه البلاغية في الكلام . غير أنه لا ينبغي أن يذهب بك الوهم إلى أن أي تكرار للكلمة أو الجملة يفي بهذا الغرض ، وأنها وسيلة قريبة المنال لكل قادر على الكلام.
فالتكرار الذي من شأنه أن يرتفع بقيمة الكلام إلى الفصاحة والسمو في التعبير ، له قيود و حالات معيّنة ينبغي ألا يتجاوزها ، وليس أي تكرار في الكلام يبعث فيه التهويل أو التجسيم .
انظر مثلاً إلى قول المتنبي :
ولم أرَ مثل جيراني ومثلي
لمثلي عند مثلهمُ مُقام
فهذا من التكرار الفاحش الذي يؤثّر في الكلام نقصاً . ألا ترى أنه يقول : لم أرَ مثل جيراني في سوء الجوار ، ولا مثلي في مصابرتهم ومُقامي عندهم ، إلا أنه كرر هذا المعنى في البيت مرتين.
و لكن كل ما جاء في القرآن من التكرار هو من صور التكرار المشرقة التي تتسنّم ذروة البلاغة والفصاحة. انظر مثلاً إلى قوله تعالى : (( الحاقة . ما الحاقة . وما أدراك ما الحاقة . كذّبت ثمودُ وعادٌ بالقارعة )) ( الحاقة : 1ـ 4 ) ، فهذا من التكرار المطرب الذي يهتز له رأس البليغ طربا.
وسنقف على نماذج متنوعة من هذا التكرار وأبيّن الغرض منه.
صور من التكرار اللفظي في أسلوب القرآن :
ـ سورة الفاتحة ( 1 ) : (( بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم )) ( الفاتحة : 1 ـ 3 ) كرر الرحمن الرحيم مرتين ، والفائدة في ذلك أن الأول يتعلق بأمر الدنيا ، والثاني بأمر الآخرة . فما يتعلق بأمر الدنيا يرجع إلى خلق العالمين في كونه خلق كلاً منهم على أكمل صفة ، وأعطاه جميع مايحتاج إليه حتى البقّة والذباب . وقد يرجع إلى غير الخلق كإدرار الأرزاق و غيرها . وأما ما يتعلق بالآخرة فهو إشارة إلى الرحمة الثانية في يوم القيامة . الذي هو يوم الدين..
ـ (( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم )) ( الفاتحة : 7 ) ذكر الصراط أولاً ولم يذكر السالكين فأعاده مع ذكر السالكين .
ـ سورة البقرة (2) : (( أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون )) ( البقرة : 5 ) تكرر في هذه الآية اسم الإشارة " أولئك " مرتين، كما أن هذه الآية تكررت نفسها في سورة لقمان الآية ( 5 ) أيضاً .
وفي تكرير " أولئك " ، تنبيه على أنهم كما ثبتت لهم الأثرة بالهدى ، فهي ثابتة لهم بالفلاح ؛ فجعلت كل واحدة من الأثرتين في تمييزهم بالمثابة التي لو انفرد كفت مميزة على حيالها ، فإن قلت : لم جاء مع العاطف ؟ وما الفرق بينه و بين قوله : (( أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون )) ( الأعراف : 179 ) ؟ قلت : قد اختلف الخبران ههنا ؛ فلذلك دخل العاطف ، بخلاف الخبرين هناك فإنهما متفقان ؛ لأن التسجيل عليهم بالغفلة ، وتشبيههم بالبهائم شيء واحد ، فكانت الجملة الثانية مقرِّرة لما في الأولى فهي من العطف بمعزل .
ـ (( وما الله بغافل عما تعملون )) تكررت هذه الآية في سورة البقرة خمس مرات (البقرة : 74 و85 و140 و144 و149) وفي سورة آل عمران مرة واحدة ( آل عمران : 99 ) والغرض من تكرارها هو تأكيد الوعيد والتهديد أي أن الله سبحانه لا يغفل عن أفعالكم .
ـ (( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين )) ( البقرة : 89 ) فقوله : " فلما جاءهم ما عرفوا " تكرار لقوله : " ولما جاءهم كتاب من عند الله " وذلك لأن الكلام قد طال وخُشي تناسي الأول فأعيد ثانياً تطرية له ، وتجديداً لعهده .
ـ (( وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلداً آمناً )) ( البقرة : 126 ) ، (( وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمناً )) ( إبراهيم : 35 ) المراد بالبلد : مكة . والفرق بين آية إبراهيم وآية البقرة أن البلد جاء معرفاً في آية إبراهيم بينما في آية البقرة جاء نكرة ؛ وذلك لأن المطلوب في آية إبراهيم مجرد الأمن للبلد والمطلوب في آية البقرة البلدية والأمن . وقيل : إن المسؤول في آية البقرة هو جعله من البلاد الآمنة ، وفي آية إبراهيم : إزالة الخوف عنه وتصييره آمناً . وقيل : عرف البلد في آية إبراهيم ؛ لأنه دعا به بعد بناء الكعبة.
ـ سورة آل عمران ( 3 ) : (( وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين )) ( آل عمران : 42 ) تكررت كلمة اصطفاك ؛ لأن الاصطفاء الثاني غير الأول : فالأول هو حيث تقبلها بقبول حسن والآخر لولادة عيسى عليه السلام.
7ـ سورة المائدة ( 5 ) : (( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون )) ( المائدة : 44 ) ، (( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون )) ( المائدة : 45 ) ، (( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون )) ( المائدة : 47 ) تكررت هذه الآية في سورة المائدة ثلاث مرات ، ولكن وصفهم في الأولى بقوله " الكافرون " وفي الثانية " الظالمون " وفي الثالثة " الفاسقون " : فكفرهم لإنكاره ، و ظلمهم بالحكم على خلافه، وفسقهم بالخروج عنه.
وقيل : إذا كان جحوداً فهو كفر ، ومن أقرّ به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق.
ـ سورة الأنعام ( 6 ) : (( ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم )) ( الأنعام:151 )،
(( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم )) ( الإسراء : 31 )
تكررت هذه الآية مرة في سورة الأنعام و مرة في سورة الإسراء ، ولكن في آية الإسراء قال " خشية إملاق " أي خوف أن تفتقروا [ في المستقبل أو خشية فقر يقع بهم ] ؛ و لهذا قدّم الاهتمام برزقهم فقال : " نحن نرزقهم وإياكم " ، وفي الأنعام قال : " من إملاق " أي من فقر [في الوقت الحاضر أو من فقر يقع بكم] فقال : "نحن نرزقكم وإياهم".
ـ سورة الأعراف ( 7 ) : (( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون)) ( الأعراف : 69 ) كرر التذكير في هذه الآية لزيادة التقرير .
وقيل : هذا تعميم بعد تخصيص .
ـ سورة التوبة ( 9 ) : (( كالذين من قبلهم كانوا أشدّ منكم قوة وأكثر أموالاً وأولاداً فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم)) ( التوبة : 96 ) ذكر الاستمتاع بالخلاق في حق الأولين مرة ، ثم في حق المنافقين ثانياً ، ثم تكريره في حق الأولين ثالثاً ، وفائدة ذلك : أن الله تعالى ذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا ، وحرمانهم من سعادة الآخرة بسبب استغراقهم في تلك الحظوظ ، فلما قرر تعالى هذا عاد فشبه حال المنافقين بحالهم فيكون ذلك نهاية في المبالغة .
ـ سورة الرعد ( 13 ) : (( ولله يسجد من في السماوات والأرض )) ( الرعد : 15 ) ، (( ولله يسجد ما في السماوات والأرض )) ( النحل : 49 ) تكررت هذه الآية في سورة الرعد و سورة النحل ، ولكن في آية الرعد قال : " من (للعاقل) " وفي آية النحل قال : " ما (لغير العاقل) " لتغليب ما لا يعقل على ما يعقل .
ـ سورة الحج ( 22 ) : (( ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد )) ( الحج : 3 ) ، ((ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير)) ( الحج : 8 ) تكررت هذه الآية في سورة الحج مرتين للمبالغة في الذم ، كما تقول للرجل تذمه وتوبخه : أنت فعلت هذا ، أنت فعلت هذا ؟ ويجوز أن يكون التكرار لكونه وصفه في كل آية بزيادة على ما وصفه به في الآية الأخرى ، فكأنه قال : ومن الناس من يجادل في الله ويتبع كل شيطان مريد بغير علم [ولا هدى ولا كتاب منير] ليضل عن سبيل الله ، وقيل الآية الأولى في المقلِّدين ( اسم فاعل ) والثانية في المقلَّدين ( اسم مفعول ). والثانية عامة في كل إضلال وجدال.
ـ سورة ( الشعراء ) ( 26 ) : (( إنّ في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين . وإن ربك لهو العزيز الرحيم )) تكررت الآيتان في سورة الشعراء ثماني مرات الآيات ( 8 ـ 9 و 67 ـ 68 و103 ـ 104 و121 ـ 122 و139 ـ 140 و158 ـ 159 و174 ـ 175 و190 ـ 191 ) وذلك لأجل الوعظ ، فإنه قد يتأثر بالتكرار من لا يتأثر بالمرة الواحدة . وأما قوله : " إن في ذلك لآية " فذلك لظهور آيات الأنبياء عليهم السلام ، والعجب من تخلُّف من لا يتأملها مع ظهورها . وأما مناسبة قوله : " العزيز الرحيم " فإنه تعالى نفى الإيمان عن الأكثر ؛ فدلّ بالمفهوم على إيمان الأقل ، فكانت العزة على من لم يؤمن ، والرحمة لمن آمن ، وهما مرتبتان كترتيب الفريقين .
ـ سورة غافر ( 40 ) : (( وقال الذي آمن يا قومِ اتبعونِ أهدكم سبيل الرشاد . يا قومِ إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار )) ( غافر : 38 ـ 39 ) كرر النداء: " يا قومِ " لزيادة التنبيه على ما ينفي التهمة والإيقاظ على سنة الغفلة ليكمل تلقي الكلام بالقبول.
ـ سورة محمد ( 47 ) : (( مثل الجنة التي وُعِدَ المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم )) ( محمد : 15 ) كرر ذكر الأنهار مع كل صنف؛ وكان يكفي أن يقال فيها : أنهار من ماء ، ومن لبن ، ومن خمر، ومن عسل ؛ لكن لمـّـا كانت الأنهار من الماء حقيقة؛ وفيما عدا الماء مجازاً للتشبيه؛ فلو اقتصر على ذكرها مع الماء وعطف الباقي عليه لجمع بين الحقيقة والمجاز . فإن قلت : فهلاّ أفرد ذكر الماء وجمع الباقي صيغة واحدة ؟ قيل : لو فعل ذلك لجمع بين محامل من المجاز مختلفة في صيغة واحدة ، وهو قريب في المنع من الذي قبله .
ـ سورة الذاريات (51) : (( وفي أموالهم حق للسائل والمحروم )) ( الذاريات : 19 ) ، (( الذين هم على صلاتهم دائمون . والذين في أموالهم حق معلوم . للسائل والمحروم )) (المعارج: 23 و24 و25 ) تكررت هذه الآية مرة في سورة الذاريات ومرة في سورة المعارج ، ولكن في آية المعارج قال : " حق معلوم " وجعله قريناً للصلاة ؛ مما يوحي أن كلمة "حق " معناها هنا الزكاة .
ـ سورة الرحمن ( 55 ) : (( فبأي آلاء ربكما تكذبان )) تكررت هذه الآية في سورة الرحمن إحدى وثلاثين مرة
وفي كل مرة لها معنى مختلف
............... يتبع
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق