حين أضع قلمي في السطر، يعني أن جلسة اعتراف لا نهاية لها ستبدأ، ومن عناق الحبر والبياض سيولد إقرار متعمد بالذنب والحزن والفرح، سأبث حرارة شكواي لمساحة مبهمة من الورق .
أول عمل أقوم به حين أحزن، وعبر جغرافيا الورق تتوسطها هضاب قلقي منحدرة نحو السهول الشاسعة لشرودي،
أنصب نفسي قاضا وأحكم بين قلم مدعٍ وقلب ينفض عنه غبار الإدعاء وقد تستمر المرافعة المفضوحة طوال الليل .
الكتابة سعادتي التي سلبتني إياها الحرب، ملاذي الذي التجئ إليه كلما داهمني القهر بخيوله الجامحة، ألفظ من خلالها الجمر المسافر في أوردتي وأنطفئ، تذوب كآبتي بين السطور كالملح، وأزهر سريعا في ربيع الورقة .
الكتابة عالمي الحر، من خلالها أتاجر بحروفي في سوق مفتوحة، فيه مملكتي وقصري وينتظرني رعيتي على عتباتها يحملون المباخر والقبل .
مهاجر أنا في شقوق الخيال وحدقات الحس، أستلذ باستدرار الذاكرة مشهدا يخلو من غبار الحقيقة، غائب أنا في كل هذا الحضور أحتفل مساء بكرنفال البوح لشعب يسكنني من المثل الضامئة، ألقي عليهم خطبة عصماء ثم أنسحب من النافذة كلص سرق صواع الملك، ثم أحتمي بظلي وأتبخر .
اليوم شعرت بالمرض المزمن، شعرت بأنني مسكون كبيت مهجورة، ترقد داخلي علة قديمة
يبعثها هطول المساء، تنفذ من ثقب في جدار الذاكرة، تقتل الصخب وتمزق شعرة معاوية بيني وبين المرح، يموت المشهد ويتحول النص إلى رماد .
ذات مساء ونشوة العناق تدفعك لتمضيد جسمي بذراعيك، حدثتكِ ..!
أخبرتكِ أن الكتابة والخيال أخر حصن يقيني صقيع الخراب،
فلماذا قصفتِ هيبة قلمي بهذا الخبث ..؟
اقتحمت تفكيري ولم تمنعك أخلاق الحرب عن ارتكاب البشاعة بحق طفولة حلمي وعجز اشتهائي، كل أسواري، وكلماتي المدججة بالرغبة، وعسس حروفي المزرعة في وريدك، لم تصمد أمام شفتيك النحيلتين، ولم تثبت جدارتها بالبقاء ..!
أتذكر همسك في أذني تحت ضوء القمر قائلة، لن أتوانى عن فتح كل مدينة فيك، فسيادتك تحتضر،
صدقتِ وكذب حدسي، وها أنتِ الفاتحة العظيمة تدكين أسوار المدينة الأخيرة، مدينتي التي تحتضن انكساري وتقزمي، تحطمين فيها التماثيل والأواني، تعتقلين الأمل المنفي في مؤخرة الخيال، ثم تدوسينه بحذائك الذهبي كنملة عابرة، ها أنتِ تمارسين جنونكِ اللامعقول وتؤدين رقصة سامبا على جراحي الراعفة، وخرابي الطري، ها أنتِ يا فاتنتي تمتطين صهوة حماقتك وتشعلين فيني أخدودا لا ينتهي من الأرق والخوف .
تنتهي الحرب لصالح الأقوى ويزور التأريخ ليجعله فاضلا وعظيما يختصر الطريق إلى الجنة بكنانة ورمح، تمت الحرب يا عزيزتي وأصبحتُ جغرافيا محتلة، تحرف ملامحها وتغرق بلعاب المستعمر الجديد .
أتساءل يا ملكة الشمس
وواجب عليّ أن أتساءل ...!؟
من سينقذ أشواقي من وسط الركام ... ؟
من سيبعثني من هذا الخراب لأحبك من جديد ..؟.....
»»»»»التوقيع
»»»»»»»»»»»»»»»»اديب
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق