على السكة الحديد
دعاني لزيارته في رسالة على الإيميل، يقول إنه يشتاق لي ولضحكاتي ولأكلة لذيذة من يدي. فرحت بالدعوة كثيرا، لكأن روحي كانت تنتظرها منذ زمن طويل.
مضت شهور عديدة لم نلتق حيث كان في سفرة عمل إلى أوروبا، وكنت منغمسة في حداد أجتر حزني إثر وفاة والدي. اتفقنا على أن نقضي السهرة معا فأعد أنا العشاء، أحد الأطباق المفضلة لديه، ويعد هو الشاي المنكه بالنعناع الطازج من مشتلته المتنوعة المتموقعة بسطح البناية. آه! كم اشتاق لسهرات الشاي والمكسرات تداعبنا النسمات الصيفية العليلة على السطوح.
نفضت عني بعض مظاهر الحزن، تخلصت من أثوابي القاتمة اللون، وتأنقت بعض الشيء كي أضفي جوا خاليا من الكآبة على هذا اللقاء،. وطرت إليه. ولاول مرة أحس أنني أشتاق إليه حد انهمار الدمع.
نزلت من حافلة ركاب في أقرب محطة لسكنه، وكلي شوق للمكان الذي تقاسمنا فيه أجمل لحظات العمر. انعطفت يسارا في طريق ترابي يفضي إلى السكة الحديدية للقطار، ولم أقطعها لأسير في طريق معبد مؤدي إلى المنزل في خط مستقيم، بل تعمدت السير عليها. كنت أستمتع بطرقات كعبي العالي على الحديد، وأبصرته يراقبني من الشرفة. تخيلته يضحك لحركاتي الطفولية، فهو يعرف كم كنت أهوى المجازفة واللعب في السكة لما كنت طفلة. يبهرني طولها واستقامتها فاغمض عيني وأتخيل نفسي قطارا يطوي المسافات ويبلغ مجاهل الاماكن...
فجأة زلت قدمي فالتوى كاحلي وآلمني كثيرا، تخدر فسقطت أرضا لأكتشف أن قدمي محشورة بين قضيبين من حديد لم أستطع تخليصها. في لمح البصر، رأيته يجري بخطى عملاقة يطوي المسافة في زمن قياسي كليث، يسابق سرعة القطار الذي بدأ صفيره من بعيد يتعالى شيئا فشيئا، وهدير محركاته يزعزع سكون الحديد من تحتي. وبحركات سريعة مجنونة جنون الموقف حرر أخي رجلي من الحذاء وحملني بين ذراعيه إلى بر النجاة...
وفي طرفة عين كان القطار يسحق حذائي.
زهرة يبرم/ الجزائر
20/09/2019
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق