الأربعاء، 3 يونيو 2020

أنثى غدر بها الزّمن ... للمبدعة سليمة يطو

(أنثى غدر بها الزمن )

أنثى تقتبس منها  الحياة  مراحل من العمر، تسلب تفاصيلها وذكرياتها،  هي كدوران الأرض، معجم من الأسرار، كأن العالم أصبح مختلفا يتلبس بها، تبكي في الظلمات حتى تشفق على نفسها، تبحر في متاهات الحنين، وتكتب رواياتها على عجل، تغير تفاصيل العلاقات الدفينة داخلها متكدسة من سنين، أما خارجها عالم مبعثر، حالة استنفار من الواقع، هي  أنثى مكتظة بالصمت ممتلئة بالهدوء، كل مايتعلق بالماضي تكتمه، ثم  تعيد ترتيب حياتها من جديد، بجسد مرمم ببقايا الحطام،  بين قضبان سجنها تستحضر أرواحا شريرة فوق سريرها النحاسي، بحواجز مذهبة تلمع، غطاء من الحرير مكسو باللون الفضي،أحمر شفاه غامق، وكحل أسود قاتم وعيناها السوداوتان، بشرة حنطية وبقع بنية داكنة تزيدها جمالا، وابتسامة إستهزاء تحمل معالم خلف وجهها كحمل وديع، تجلس ثم تتمدد، تتمايل  بجسدها النحيل، كأنها أفعى شرسة تستلطفك ثم تلدغك ، هي حقا ماكرة طفلة مدللة تستحوذ على عقلك، على جدران غرفتها حروف الهجاء، حرف روماني يوناني كأنها من أصول إغريقية، وعلى حافة النافذة المحطمة تقبع جنية متقدمة في السن، بنظراتها وخطوط على جبهتها تحكي رواية من القرن التاسع الهجري، صمت يقرع الأجراس بعصا سحرية، فوق كل رف تتدفق حرارة الشموع، كأن المكان  فيه صرخة، تتجسس حولها خفافيش الليل، تفرغ رغبتها بالنوم فوق التابوت، ملذات وعناق تنكر خوفها، لا تتهاون تعلن كل مساء رحيلها، وبيدها تحمل سيفها الممتلىء بالدم، ازدادت حرقة بين قلبها وصدرها  فكادت تنفجر بالبكاء، أصبحت تتوجع وتستنجد أصوات خارج مملكتها وهي نائمة تفوح منها رائحة الخبث، تكاد تخنقها وهي تبتسم ثم تبكي، تصرخ ثم تئن، ممثلة بارعة تجيد كيف تختبئ بين حزنها، ساعات من الألم لنهاية قاسية، أصابها زلزال كل المعلقات أصبحت تنفر، تدفقت مياه ملوثة ،اقتحمت غرفتها جرذان تنهش لحمها، وكرسيها  الهزاز لم يتوقف كأن روحا تسكنه، لعبة في الظلام استولت عليها، ورصاصة القناص فتكت بنصف جسدها لعلها تصمت، فقدت عقلها كليا، أجزاؤها تتطاير في كل مكان، وهي تحفر بأظافرها وندبات تتآكلها من الأعماق، ونظراتها الحادة تتكلم بلغة عربية قديمة، صوت الكمان وقرع الطبول، حقا كانت جنازتها خريفية ممطرة، ولباسها الممزق بريش النعام، سافرت بعيدا ملتحفة روحها بالانكسارات.

مشاركتي في كتاب الجامع (وهم فرغولي...
سليمة يطو..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق