قصة قصيرة "شبح الموت "
كانت حياته يوما طويلا بلا مفاجآت ، وكان هذا سر طمأنينته عندما يستيقظ في الثامنة صباحا كما يستيقظ أحدهم من قيلولة .اليوم استيقظ فوجد نفسه في صفحة جديدة من رواية حياته التي أتم قراءتها بالأمس .يطوي صفحته في تزجية الوقت , يهدر صباحه دون أسى كما يفعل النهر بنفسه حين يرهقه الضجر , وفي الليل يداهمه الأرق . ليله يبدو موتورا ،يشع في أطرافه حفيف يشبه أنين أرواح هائمة في أودية العذاب . سكون موحش يثير قلق شاهين ويدفع الرهبة في نفسه . وقد جسّم له الوهم أعمدة جاثمة تحيط به
وتراءى له طيف جاره بيومي شاب في العقد الثالث تمازج معه في العمر ، يصدر أصواتا مكتومة فيها ألم ومعاناة، صرخات استغاثة تتململ في روحه ضيقا ونفاذ صبر. أكان لابد لهذا الفيروس أن يجتاحه ويبتر روحه ؟
أكان لابد من هذه الجائحة (كوفيد 19)لتحاصرني؟
وتقلب حياتي رأسا على عقب ليذهب النور ويحل عتم القلق . ليس فقط على الوضع الذي أنا فيه الآن. وإنما على ما يمكن أن يحدث لو استمر أكثر من ذلك .هل سنبقى هكذا ساجدين، ربما إلى العام التالي، وربما إلى يوم الدين.تمر الساعات بطيئة كأنها الدهر يمشي الهوينا ،قضاها بيومي ينازع الموت بلمحة سريعة خطفت روحه وكانت أسرع منها القناع الذي انتشر فوق وجه شاهين وكسى مثلث ملامحه بقشر معتمة أخفت كل شيء حتى الشحوب .
وقف شاهين بجوار النافذة يدخن و يتأمل الموت يتموج في العتمة في باطن ليل بهيم وهو يفترس الأرواح واللون الأسود والزمن نفسه .
تتصاعد من أذنيه أعمدة الدخان فيدرك أن قطار العمر يفكر في زمن مجهول الهوية . يدخن كي يتذكر ويدخن كي ينسى ، ويتمنى لو كان بمقدوره أن يعيش إلى الأبد دون توقف القطار في المحطة الأخيرة .
صفارة الموت تثقب زجاج قلبه، غارة على مستقبله ،على بيته ، على حياته. "يا رب ارحمنا " لكن كيف سيصل صوته إلى الإله في غضون هذه الأصوات الصاخبة بداخله . فالموت يشحذ همته لينقض على الرؤوس التي حان قطافها ولو غير يانعة . نظام الحياة انتهى بدأ نظام الفناء والتحلل. موت بريء يهمس: ها قد أتيت فيتوقف نبض الحياة في الخارج ،في المقهى ،في الشارع، وفي كل مكان ويبعث عالم مليء بالضعف والانهيار وملايين الأرواح المتشبثين بحياتهم تشبث مستميت .
اختبأ شاهين في بيته ، خشيةأن يشق طريقه بين الجثث . وقف يتأمل شبح الموت يقف بجانبه موجها سبابته اليمنى نحو عنقه ، موت بيومي غير سلم مخاوفه. يعيش خوفا حقيقيا، لا تمثيل فيه ولا تمويه والجماهير الشعبية المطحونة يستخفون بالحياة لدرجة السفة .
وقف على خشبة الحياة وسط عتمة سوداء تلفه من كل جانب . خوفه من الفناء يفوق خوفه من خسارة المال . يشتم رائحة الندم ، ويسعى إلى توقيع صك الغفران تكفيرا عن ذنوبه . فتبرع بقسط كبير من ثروته.
هذا التصرف لا يأتي إلا تبريرا لندم أو تمهيدا لخطأ فات أوان تصحيحه ، يبدو شاهين كمن في حاجة لكتف ليستريح وكهف ليختبأ من شبح يلاحقه ، رافعا حقيقة صادمة في وجهه. مدى صغر حجمه أمام الموت.
لمياء القفصي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق