الرجل المطر (٣١)
في تلك الليلة كان وضع غيث مستقر، لكن تأثير المخدر والمسكنات جعلته ينام لساعات طويلة.
فاستغلَّينا الفرصة أنا والسيدة إلهام للتعمق في أحاديث متشعبة إلى أن سألتني عن عائلتي قائلة:
حبيبتي شمس، وددت أن أسألك عن والديك لأن فرصة تعارفنا الشخصية جاءت بتوقيت غير مناسب بسبب ظرف عملية غيث.
أعلم أنك تقيمين بمفردك بعيدا عن عائلتك، هل هما في بلد آخر؟
فقلت:
والدي رحمه الله توفي منذ سنوات طويلة بحادث سير مؤلم وأنا حينها كنت طفلة في سن العاشرة.
ليس لدي أخوة ولا أخوات، ربتني أمي ورعتني بكل الحب والاهتمام وكنا نعيش حياة سعيدة.
إلى أن تقدم لخطبتها رجل ثري عن طريق أحد الأصدقاء كان قد التقى بها بمناسبة عائلية، وبدأت علاقة حب بينهما تكللت بالزواج. لكن علاقتي بوالدتي لم تعد كالسابق بسبب اهتمامها بزوجها وحياتها الجديدة.
وبعد أن تخرجت من الجامعة قررت أن أنفصل عنها بالاعتماد على نفسي، وحين جاءتني فرصة العمل هنا سافرت، لم يكن قراراً سهلاً لكنه كان الحل الأفضل لكلينا.
وأنا الحمدلله مرتاحة ومقتنعة بما وصلت إليه، وأجمل ما حدث لي هنا هو أني التقيت بغيث.
لكن بلا شك نحن على تواصل مستمر فهي أمي في النهاية وكانت في قمة السعادة حين علمت بارتباطي أنا وغيث، وبإذن الله سوف تأتي لزيارتي في أقرب فرصة.
وبعد بضعة ساعات من الحديث المتواصل شعرنا بتعب شديد إلى أن استسلمنا للنوم أخيراً.
استيقظت صباحاً على صوت السيدة إلهام وهي تتحدث بهمس كي لا توقظني، فسمعتها تقول:
لكن يا عمر هذا الأمر مستحيل، لا بد أن تجد حلاً سريعاً مع هذا اللعين ( خالد المالك) إن استمر بتهديداته فحتما ستحدث كارثة.
عندها شعرت بأن ماءً بارداً قد انصب فوق رأسي.
(خالد المالك) هذا اسم زوج أمي، لكن كيف؟
أ يعقل أن يكون هو نفسه الشخص الذي يهدد غيث وعائلته؟
لا أصدق ما سمعته، عقلي يكاد لا يستوعب حجم الكارثة.
ماذا سأفعل الآن؟
كيف سأواجه هذه المصيبة بمفردي؟؟
لا بد أن أهدأ كي أتمكن من السيطرة على أعصابي.
آه يا ربي ساعدني.
بدأت أتكلم مع نفسي كالمجانين إلى أن وجدت السيدة إلهام التي كانت قد طلبت مني بأن أناديها بأمي تقول:
شمس حبيبتي ما الأمر، هل أنت بخير؟؟ لم تبدين شاحبة الوجه هكذا؟
لا بد وأنك رأيت كابوساً مزعجاً يا ابنتي.
حينها لم يعد بإمكاني تمالك نفسي فانهرت باكية وقلت:
أمي إلهام هذا الرجل المدعو خالد المالك يكون زوج أمي، لكن صدقيني أنا لا ذنب لي، سامحوني أرجوكم، أنا لا أعرف الكثير عن تفاصيل عمله أو...
فجأة وجدت السيد عمر يقاطعني قائلا:
هدئي من روعك يا شمس، أنت فعلآ خارج أي شبهات أو اتهام، إنها مجرد صدفة كتبها لنا القدر.
فأنا علاقتي مع هذا الرجل قديمة جدا.
وربما ستكونين أنت طوق نجاتنا جميعآ من هذه المحنة.
فقلت:
أنا مستعدة لأن أفعل أي شيء بدون تردد بكل تأكيد، لكن كيف ذلك يا عمي؟
فقال:
ستستدرجيه عن طريق والدتك بحكم أنه زوجها، وستوهميه بأنك على استعداد لمساعدته بالانتقام مني بما أنك خطيبة غيث، وبعد أن تكسبي ثقته الكاملة سنوقعه في الفخ بالتعاون مع الشرطة لإلقاء القبض عليه.
أعلم بأنه ليس من السهل عليك الخوض في هذه التجربة وخصوصا لأنها ستكون صدمة كبيرة لوالدتك، لكن ليس أمامنا خيار آخر يا ابنتي، والقرار قرارك.
نعم القرار قراري، والنار الآن أصبحت نيران، نار تحرقني من خوفي على حياة غيث وعائلته، ونار أخرى تكويني خوفا على والدتي بعد أن تكتشف حقيقة زوجها المجرم.
إنصاف غسان قرقناوي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق