المقامة الطّبيّة
حدثنا سعيد بن سلطان قال: مرّت على المدينة أيّام بائسة :قحط وغلاء عجافٌ كسني يوسفَ ، ولَم يبق لنا فَرْشٌ أو لَحاف ، وعمَّ الجفاف، مات الزّرع وجفّ الضرع ، وأصبحنا نطلب السّلامة،ولا نرى لها علامة ،جمعت ما. بقي من متاع ، والكثير منه قد ضاع ويممت شطر البراري ، والدمع على الخدين جاري ، على ما فقدت من أحباب وأهل وأصحاب .
وفِي طريق قد طال أيقنت دنو الآجال ، جلستُ تحت شجرة ، تشكو شكوانا ، وقد بُلِيت بَلْوانا ؛فإذا هي كعجوز ، تشكو الوجع ،يعوزها الدّمع ، أخذتني سِنَةٌ من نوم ، وصرت أشبه بأهل الكهف ، ولا أقوَ على الوصف .
وما استفقت الا بفارس مِقْدام أمْلحٌ ، رشيق القوام ،يقطر شحمه من تمام صحته ، هزَّنِي هِزّة، أحسبت أني أذوب تحت جسمه الربيب ، وبنَهْرَةٍ منه أتعرِفُني ؟ . فقلت: لا أذكرُ. قال :أنا أبو العيناء ، ما هذا الغباء ؟.
وقفت ورحبت به، سألني عن حالي ، فقلت المنظر يصف المخْبَر ، فقال : لا عليك ، لبيك وسَعْديك ، والخير بين يديك، فقلت وكيف ذاك؟ وأنا أشرِف على الهلاك ؟
قال : قُمْ بِنَا ، فمشينا أياماً، وليال ولكني كنت هادئ البال؛ فقد لي من طعامه وشرابه ، وسرّى عني بجميل كلامه ،حتى وصلنا الى مدينة أسواقها عامرة ، وبيوتها تفيض حسناءً وبهاءً ، فقال : سيكون لك فيها كلّ زينة ، وتنعم بالخيرات حتى الممات ، وافعل ما أريد ولا تقل المزيد .
تنقلنا من بيت إلى بيت ، والجارة تخبر جاراتها ، حتى الضّرة تخبر ضرّتها ، فالشيخ مبروك يداوي النساء بما عجز عنه الحكماء ، ومن أعياها الإنجاب فلها عندنا باب وتقاطرت النساء من كلّ أنحاء ، وانهالت علينا الأموال وما خفّ في الأحمال ، والكل يريد طمعاً بالقضا .
رقصت من الفرح بالذي علينا طُرِح، عوّضت جوع السنين بكل لين ،وشكرته على ذلك فأنشأ يقول :
لله أقواماًآتيتهم. جوعٌ أضره غدا عليلا
وأعظمي تخالفت مواقع. تخالني طير أبابيلا
أوهمتهم بالطّب بارعا لذا. صرتُ بِهِم شهماً نبيلا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق