السبت، 9 مارس 2019

المقامة الطبية --- للمتألق يحيى القضاة

المقامة الطّبيّة

  حدثنا سعيد بن سلطان قال: مرّت على المدينة أيّام بائسة :قحط وغلاء عجافٌ كسني يوسفَ ، ولَم يبق لنا فَرْشٌ أو لَحاف ،  وعمَّ الجفاف، مات الزّرع وجفّ الضرع ، وأصبحنا نطلب السّلامة،ولا نرى لها علامة ،جمعت ما. بقي من متاع ، والكثير منه قد ضاع  ويممت شطر البراري ، والدمع على الخدين جاري ، على ما فقدت  من أحباب وأهل وأصحاب .

   وفِي طريق قد طال أيقنت دنو الآجال ، جلستُ تحت شجرة ، تشكو شكوانا ، وقد بُلِيت بَلْوانا ؛فإذا هي كعجوز ، تشكو الوجع ،يعوزها الدّمع ، أخذتني سِنَةٌ من نوم ، وصرت أشبه بأهل الكهف ، ولا أقوَ على الوصف .

    وما استفقت الا بفارس مِقْدام أمْلحٌ ، رشيق القوام ،يقطر شحمه من تمام صحته ، هزَّنِي هِزّة، أحسبت أني أذوب تحت جسمه الربيب ، وبنَهْرَةٍ منه أتعرِفُني ؟ . فقلت: لا أذكرُ. قال :أنا أبو العيناء ، ما هذا الغباء ؟.

   وقفت ورحبت به، سألني عن حالي ، فقلت المنظر يصف المخْبَر ، فقال : لا عليك ، لبيك وسَعْديك ، والخير بين يديك، فقلت وكيف ذاك؟ وأنا أشرِف على الهلاك ؟

    قال : قُمْ بِنَا ، فمشينا أياماً، وليال ولكني كنت هادئ البال؛ فقد لي من طعامه وشرابه ، وسرّى عني بجميل كلامه ،حتى وصلنا الى مدينة أسواقها عامرة ، وبيوتها تفيض حسناءً وبهاءً ، فقال : سيكون لك فيها كلّ زينة ، وتنعم بالخيرات حتى الممات ، وافعل ما أريد ولا تقل المزيد .

 تنقلنا من بيت إلى بيت ، والجارة تخبر جاراتها ، حتى الضّرة تخبر ضرّتها ، فالشيخ مبروك يداوي النساء بما عجز عنه الحكماء ، ومن أعياها الإنجاب فلها عندنا باب  وتقاطرت النساء من كلّ أنحاء ، وانهالت علينا الأموال وما خفّ في الأحمال  ، والكل يريد  طمعاً بالقضا .

   رقصت من الفرح بالذي علينا طُرِح، عوّضت جوع السنين بكل لين ،وشكرته على ذلك فأنشأ يقول :

     لله أقواماًآتيتهم.             جوعٌ أضره  غدا عليلا

    وأعظمي تخالفت مواقع.    تخالني طير أبابيلا

 أوهمتهم بالطّب بارعا لذا.    صرتُ بِهِم  شهماً نبيلا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق