الخميس، 21 مارس 2019

ايحاءات ---- للمتألق فؤاد حسن محمد

إيحاءات

حالة من الهدوء المفاجئ وغير العادي بسبب من الصمت ، شئ غير مألوف ، وقف شاحب الوجة ، سخيف المنظر ، كان فمه قد تدلى نصف مفتوح من الخوف ، ولم يغلقه طيلة فترة النظر ، تقدم من الكأس متعباً مذعوراً، وكاد يصرخ بصوت دائري مجنون :

-من شرب الكأس مادمت موجوداً وحدي !!!!!!!!!!!

لكن أنة خافتة باكية ،تشيه مخلوق صغير سحق تحت الأقدام ، ندت منه:

_أأأأأ...أأأأ؟؟؟؟؟

سمع صوت يشبه زفير الهواء ، يتوهج كسكين ، رفع ناظريه وتلفت ، عدم الأنصات الى العالم الحقيقي ، كان طريقة لاستراق أصوات أبعد وأكبر:

_ ما اّ اّ اّء ؟؟؟!!!!

استغاثة ساخرة متحدية ،بدت عنيفة كصوت صقر ، تبعتها قهقهات بعيدة تردد صداها خلف الصوت في الغرفة ، اشباح تتأرجح قربه ، مخبئة نفسها مابين الستارة والنافذة.

ترنح على الكرسي ، لقد أنفرط عقده ، سوف يشعر بالخوف عندما يسدل الليل أستاره مادام وحده ، العبوس يعلو وجهه الذي أظلم ومال إلى السواد،استدار فجأة نحو النافذة ، إنه لايعرف مصدر الصوت ، صراخ بألم ونفاذ صبر :

_ماا اّ اّ اّء؟؟؟!!!!!!!!!!!

اجتاحته ثورة مجنونة ، فجأة لمح صورة امرأة احتلت مساحة النافذة ، وبحركة طائشة من يده حاول أن يبعدها ، بدت المرأة شكل متفرق بث الرعب في أوصاله ، لقد تمزق قميصها الباهت ، وتشعث شعرها بفعل الريح والغبار ، والحقد والأضطراب في عينيها ، وبدت وكأنها ستقتله ،حلت القماط الذي يشد طفلها ، وشدته إلى صدرها ، وأعطته صدراً متدليا ليرضع ، وقد حملته بذراع واحدة .وهي تنوح:

_مات ابني ولم ألفه بالقماط

ولم أهدهد له السرير

ولم يشرب من صدري الحليب

تنهد الرضيع وتنهد ، نظر إليهما بعيون فزعة ، أشباح تسللت في ظلمة الليل ، تساءل عمن مات كيف يعود ، طارت منه صرخة جبانة عبر الهواء في الغرفة ، عندها تذكر من هو الرضيع ومن هي أمه .

رجال متوحشة كالضباع ، ساقوهم كقطيع عبر الأرض الجبلية الوعرة ، لقد واصلوا المشي حفاة أشباه عراة ،كان الرضيع مشدود إلى صدر أمه ، تلك الحزمة الباكية المدلاة على يدها عرقلت تحركها طيلة الوقت ،يرافقه ذلك النحيب القاسي كوتر مشدود ، الرجال غاضبون منها ،وبخها بعبارته المتكررة :

_ انت عاهرة ملعونة

صرخت بألم ونفاذ صبر :

- ماء ....أريد ماء

نزع الرضيع من صدرها وألقاه بعيداً إلى الأرض ، سمعت طقطقة عظامه ، لمحت أمه ماحدث ولهثت بأعين باكية وصاحت :

_ أواه...أواه

علمت ان ابنها مات ، كانت تنوح ، جلست على الأرض ، نكزها بقدمه كي تتابع المسير ، ولما رفضت ، قطع جسدها بالحجارة حتى نزف جسمها ، عندها أنطلقت صرخة قاسية عبر الهواء في الوادي .

_ ماء....ماء؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

هو الأن خائف من الأموات ،وسوف يشعر بالخوف كلما كان وحيداً ويسدل الليل استاره خلفه، خائف من الأرواح الطيبة التي تطوف في السهول والتلال ،وهي تصرخ :

_ماء...ماء


فؤاد حسن محمد-جبلة - سوريا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق