(( رحلة في النّقد ))
(بين الحاء والباء)
نورُ المحبةِ في عينيكِ لألاءُ
تنسابُ منه تسابيحٌ وأنداء
في مقلتيكِ بريقٌ عاد منسكباً
والنرجس الغض في خديكِ أفياء
نبيذ وجدك ما أبهى غوايته
و ضفة الروح آلاء... ونعماء
صهيل عينيكِ عزفٌ بات منفرداً
وشدو روحك تلميحٌ وإيحاء
يا رقة السحر يا نوراً همى ألقاً
تيهي.. فحسنك عمّ الكون وضّاء
يا شاطئ العشق يا أحلام ساحرة
قلبي لحبك مرساة وميناء
دنان ثغرك بستان يهدهدني
وماس جيدك أنوار وأضواء
إني عشقتك يا أحلى بنفسجة
أعلنت حبي فكل الكون إصغاء
إني عشقت مهاةً بالسنا اتّزرتْ
والثغرُ داليةٌ والعينُ حوراء
الصدق شيمتها كالبدر طلعتها
تزهو برقتها فالكون لألاء
الحرف يسجد كرمى ثغرها فرِحاً
ونبض قلبيَ حاءٌ بعده باء
......... ......
أسعد الله أوقاتكم بكل خير
....... ....
أبو علي يونس الشيخُ
ُ
بدأت رحلتي مع النقد ، وشاعرنا اليوم بل أمير شعرائنا من سورية الحبيبة درس الأدب العربي
وهو من حمص العديّة .
عنّون قصيدته ( بين الحاء والباء) وعزف ألحانه فأطرب بها القلب قبل الأذن وجعل للحبّ محراباّ سجد فيه الحرف
أفلا يكون العنوان مناسباً ؟
نعم اختيار جميل للعنوان الذي يظهر كمّ المشاعر التي يمكن أن تختزن ما بين هذين الحرفين وقد ظهر هذا واضحاً في كلّ الأبيات .
القصيدة كما هو واضحٌ من الشّعر التّقليديّ موزونةٌ وفق أحد الأبحر الخليليّة ببراعة شاعرٍ خبيرٍ خاض عباب البحر البسيط وأتم رحلته بنجاح .
واختار روي الهمزة المضمومة المسبوقة بالألف فكان لها وقعاّ جميلاّ يوحي بالفرح .
الموسيقا لم تقتصر على موسيقا البحر الذي يعتبر من الأبحر الممزوجة أي المتضمنة تفعيلتين ( مستفعلن ، فاعلن ) والتي تتكرر مرتين .
من مصادر الموسيقا الدّاخلية وهي من مصادر الجمال في النّص نجد التّصريع في البيت الأوّل ( لألاء ، أنداء) وهي محسنٌ لفظيّ جميل وجلّ الشعراء يقصدونه كبداية جميلة في البيت الأول .
كما نجد حسن التّقسيم في عدّة أبيات وما يضفيه من تجانس موسيقيّ أو ضبط للإيقاع ( يا شاطئ العشق ، يا أحلام عاشقة / و الثغر دالية ، والعين حوراء / الصّدق شيمتها كالبدر طلعتها )
كذلك أورد شاعرنا بعض المترادفات المتوالية وبدورها عززت المعنى وأضفت وقعاّ موسيقياّ آخر ( آلاء ونعماء ، تلميح وإيحاء ، مرسلة وميناء ، أنوار وأضواء ...)
وهذا كله جميل ويحسب لشاعرنا من باب الاهتمام بالحلية اللفظية وزخرفة النّص .
العاطفة في الأبيات وجدانية ذاتيّة ، ومشاعر الحبّ والإعجاب والفرح تهلل بها الأحرف و الكلمات في كلّ بيت .
بالنسبة للناحيّة الفنيّة في أسلوب الشّاعر :
بالنسبة للغته أتحفنا بلغة فصيحة مشرقة أقرب للوضوح واستحضر مفردات مناسبة
للمعنى ، والغرض هنا الغزل وإظهار مشاعر الحبّ ( المحبّة ، عينيك. مقلتيك ، العشق ،
ثغرها ، أحلى ، رقتها ، .... )
بعض المفردات انزياحيّة أو رمزيّة ( نبيذ ، صهيل ، النّرجس ...) وسيتبدّى معناها من خلال السّياق وتوضيح الصّورة التي ضمّتها .
التراكيب تنساب بشكل سلس وجميل تتدفق لترسم وصفا للمحبوبة وكما يتدفق معها الشعور ولاشك أنها متينة سليمة لغوياً .
نوّع الشّاعر في أسلوبه بين الخبر والإنشاء
وكان يكثر الخبر في معرض الوصف وبيان الحالة الشعورية .
ففي البيتين الأول والثاني اقتصر على الأسلوب الخبري ،.في البيت الثالث استخدم أسلوب التعجب وهو من الإنشاء غير الطلبي وللتعجب جماليته في الشكل والمعنى .
ما أبهى غوايته ! تعجب بصيغة ما أفعله القياسية ، والغاية إظهار التحبب فحتى الغواية من المحبوبة رائعة .
نلمح النداء في مواضع عدة وقد أكثر منه الشاعر ووظفه بشكل جميل أشار فيه للمحبوبة مبدياّ الدهشة من سحرها وجمالها ومعبراً عن عظيم الحب لها ، إذا النداء لم يكن بغية تلبية النداء و إنما لفت الانتباه و التعبير عن الاستحسان وهذا جميل جداً .
( يارقّة السّحر ، يا نوراً ، يا شاطئ العشق ، يا أحلام ساحرة ، يا أحلى بنفسجة )
الطلب وجدناه في موضع واحد ممثلا بالأمر المباشر ( تيهي ) وواضح أن إعجاب شاعرنا الشديد بالمحبوبة دفعه للطلب منها بأن تتيه وتختال .
أما الصّور البيانيّة في النّصّ فهي كثيرة فنجد أن شاعرنا قد نوّع فيها وأبدع وأثرى الأبيات وقد كان للتشبيه البليغ حصّة الأسد فيها و هذا النّوع من الأنواع المحبّبة لأنّ دلالتها قويّة يتساوى المشبّه بالمشبّه به ليقارب الحقيقة .
( نور المحبة ، نبيذ وجدك ، قلبي مرساة ، دنان ثغرك ، ماس جيدك ، ضفّة الرّوح ، الثّغر دالية ...)
ونجد التشبيه المجمل ( كالبدر طلعتها )
نلمح الاستعارة بلونيها المكنيّة والتّصريحيّة
فالمكنية نجدها في ( صهيل عينيك ، شدو روحك ، الحرف يسجد ..)
أما التّصريحيّة فنراها مثلا ( يا نوراً ، يا أحلى بنفسجة ، عشقت مهاةً ، ..)
حذف المشبه ( المحبوبة ) وصرّح بالمشبه به
ولا يخفى علينا دور الاستعارة في نقل المعاني إلى المحسوس أو العكس ، فتقرب البعيد و تفسر الغامض .
من الصّور المميزة ( نبيذ وجدك ما أبهى غوايته ) جعل وجدها وشوقها خمراً يتوق إليه ويعشق ضلاله وغوايته .
والنّرجس الغضّ في خديك أفياء ، دائماً تشبه العيون بزهرة النرجس فهل أراد شاعرنا هذا المعنى هنا والأفياء ما هي إلا ظلال تلك الرموش التي امتدت على الخدين .
صفة الغضّ تحمل معنى الجمال والشباب وهذا يليق هنا .
مازال بإمكاننا الغوص أبعد ، لكن أخاف عليكم الملل ، ولذلك سأتوقف هاهنا لأنهي رحلتي .
شاعرنا الرّائع أبو علي يونس الشيخ سررت جداً وأنا أجول بين حروفك وكأني في معرض للجمال لكثرة ما جمّلت وبهرجت الكلمات والمعاني ، أعدتنا إلى زمن الكبار ، لله درّك ودرّ هذا الحرف الأنيق .
تقبلوا منّي هذه الدّراسة المتواضعة هديّة مع فائق تقديري والورد .
دمتم بخير أحبتي عشّاق النّقد .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق