الأحد، 11 أغسطس 2019

رحلة في النقد ----- للمتألقة رنا محمود

((رحلة في النّقد ))

مساؤكم أزاهير فرح ، مساؤكم أهازيج أمل .
معاً سنبحر في رحاب الكلمة الراقية ، الكلمة الصادقة .
معكم سنهتف لعناقيد الغضب ، لأبناء غزة بصحبة أديبنا المبدع الكبير د. عبد العالي لقدوعي الذي درس العربية ودرّسها في مدارس الجزائر الحبيبة بلد المليون شهيد .
والذي عرف بعشقه الأصالة حرفاً وبحراً خليليّاً.
وفي البدء مني ومنكم وافر التحية لشاعرنا الكبير ، لباني صرحنا الرائع د. غسان منصور

والقصيدة هاهي بتوقيع شاعرنا .

تقدم يا ابن غزة *
الإهداء: إلى جيل الغضب،حملة الحجارة والمقلاع.

تيمّم بالحديد وبالرّصاص * وصلّ الفجر،واكفر بالمعاصي
وأخلص للإله تكن تقيّا * وتظفر بالشّهادة،بالخلاص
تقدّم يا ابن غزّة في ثبات * وخذ بالثّأر،بل خذ بالقصاص
تقدّم كالسُّيول،وثُرْ،ودمّر * ودُكَّ على الجبابرة الصّياصي
تقدّم واترك المقلاع،واحمل * حُساما بعد سابغة دِلاص
وثُرْ مثل البراكن،وارم حِقْدا * وبادر كلَّ نذلٍ باقتناص
ودمِّرْ كالقنابل كلَّ شيءٍ * لتستوي الأداني والأقاصي
ويُعدمَ من أهانك-ثمَّ-قوتا * ويلتحقَ المُرفَّه بالخِماص
سل التّاريخ كم مكرت يهودٌ * ولاعجب،فبالشّر التَّواصي
وسل صبرا وشاتيلا،وحيفا * ويافا،ما رأين من اللِّصاص
وفي القرآن كم لُعِنتْ يهودٌ * بما اجترحوا،لكفر أو شِياص
فقد آذوا كليم الله موسى * وموسى من أُولي العزم الخِلاص
رضُوا بالفوم والقثّاء زادا * وعافوا المنِّ حُلوا كاللَّواص
وقالوا يد الإله البَرّ غُلَّتْ * وكانوا من الشَّريعة في شِماص
وهاهم -يا ابن غزَّة-لم يزالوا * -كما كانوا،وأكْثرَ-كالحُصاص
فقد سرقوا التُّراب،وشرَّدوكم * وقتلى غادروهم بالعِراص
تساووا في المصير،فلا عجوزٌ * نجا،لا طفلُ،لا ذاتُ العِقاص
سُكوتُك عن صريح الظُّلم موتٌ * وما لك غير ردٍّ من مناص
تقدّم للجهاد إذاً،لتحيا * عزيزاً،يوم يُؤخذُ بالنَّواصي
وكن في المسجد الأقصى صلاحاً * وكن في تل أبيب شهيد باص

بقلمى: عبد العالي لقدوعي،من الجزائر.

المنيعة في 10 كانون الأول 2000 م

شاعرٌ كبيرٌ عاشقٌ للعربيّة ، متبحّرٌ فيها ، شاعرٌ عروبيّ بامتياز ، التزم قضايا شعبه العربي في كلّ مكان ، نحا في شعره للواقعية يرصد معاناة العرب ، ينبه ويسلط الضوء على مواطن الضعف والخلل ، متسلّحا بغزارة علمه وثقافته الدينية والتاريخية، يستند إلى القرآن الكريم في إثبات ما يميل إليه في شعره من اتجاهات .
فأنعم وأكرم به من شاعر يعتزّ بلغته وعروبته ودينه ويتأثر بالذات الجمعي .

قصيدتنا التي اخترتها اليوم لشاعرنا الكبير قصيدة عمودية من الشعر التقليدي نظمت على بحر خليليّ إنه البحر الوافر الذي أراه من البحور الرشيقة تناسب حالة شاعرنا الانفعاليّة 
و شاعرنا بحّار خبير لا يعيقه نوّ ولا ريح .
اختار قافية مطلقة ، واختار روي الصاد المكسورة أو الصاد المشبعة وكان موفقا تماما في اختيار هذا الحرف لما يوحي به ، فكأننا بالفعل في معركة لا يسمع فيها سوى صهيل الخيل و صليل السّيوف ، أضف إلى أن هذا الروي من الحروف الصعبة التي قد لا يستطيع النظم عليه إلا من امتلك ثروة لغوية كبيرة. 

اختار عنوانا قويّا ( تقدّم يا بن غزّة ) ففيه الأمر الصريح وليس أي أمر بل فعل هجومي يدعو للمبادرة 
وأشار بوضوح للمنادى المخصوص بالنداء ابن غزة ، أي جيل الشباب الصغار ، وكأنه يقول أن عليهم تغيير الواقع وصنع المستقبل المنشود و إشارة مبطنة إلى أن هذا الحقّ يجب أن يتوارث عبر الأجيال أي التمسك بالأرض والجهاد في سبيلها .
اختيار موفق جدا .
جسد القصيدة إذا يحاكي الكلاسيكية وكذا مفاصلها. 
لكن التأثر بالواقعية الجديدة من حيث رصده لحالة واقعية وهي انتفاضة شبابنا في فلسطين .
إنه التأثر بالضمير الجمعي .
لشاعرنا أسلوب فنّيّ يميّزه عن غيره ، فهو ينحو في لغته بالتأكيد إلى الوضوح والغموض معاً ، لابدّ أن يأتي على كلمات لربّما غابت الآن عن لغتنا الأدبية بعض الشيء رغم دلالتها القوية لكنها مفردات خلدها القرآن الكريم ومنها ( الصياصي، اللواص، شماس، عقاص... ) 
التأثر بالثقافة الإسلامية واضح جدا من خلال الألفاظ والتراكيب ، فهو يستقي ألفاظه وحتى بعض معانيه من المنبع المقدس .
لاحظوا : ( تيمم، صلّ ، المعاصي ، تقيا، صلّ الفجر ، الفوم، القثاء ، موسى ...) وهذه نقطة إيجابية 
نحا أيضا نحو الألفاظ الجزلة، لأنها الأقدر هنا على خدمة أغراضه ومراميه ، فهو في صدد حثّ الهمم واستنهاضها( دكّ ، الرّصاص، المقلاع ، العقاص ... )
ونجد اللهجة الخطابيّة واضحة من خلال استخدام صيغة الأمر بكثرة وهذه أيضا من سمات الاتباعيّة .
إذا نحن أمام ثروةٍ لغوية تميّز بها شاعرنا وهي عنصرُ قوةٍ بارزٌ في النّص .
تراكيب متينة فخمة مثل : تقدّم كالسّيول ، اترك المقلاع ، سل التاريخ ، لتستوي الأداني مع الأراضي... ) 
وهذا كله من سمات الاتباعيّة أو الكلاسيكيّة الحديثة .
نلاحظ الانفعال الشديد وذلك من خلال إكثار الشاعر من الأسلوب الإنشائي وتحديداً الأمر الصريح وأشرنا إلى بعض مواضعه ، بالإضافة لاستخدام النداء ( يابن غزّة ) مرتين ، وطبعا الهدف من النداء الإشارة والتخصيص، لأبناء غزة وشبابها المقاوم .
نجد الاستفهام : ما رأين من اللصاص ؟
والاستفهام هنا غايته إظهار الانفعال .
أغنى شاعرنا نصّه بصور بيانية متنوّعة من استعارة وتشبيه وكناية. 
المنّ حلواً كاللواص: تشبيه تام الأركان الغاية منه توضيح المعنى .
فنجد التشبيه المجمل الذي حذف وجه الشبه فيه ،وهذا إن دلّ على شيء إنّما يدلّ على شهرة وجه الشبه وعدم الحاجة إليه ، أي دلالته قويّة لدى المتلقي .
( تقدّم كالسّيول، ثر مثل البراكين ، دمّر كالقنابل ) 
كما نجد التشبيه البليغ والذي يعدّ الأجمل والأقوى بين أنواع التشبيه التساوي المشبّه فيه بالمشبّه به ،أي يحمل المبالغة .
( سكوتك عن صريح الظّلم موت ، السكوت هنا تساوى مع الموت وهنا جماليّة البليغ ) 
ونجد الاستعارة في : 
ارمِ حقداً : استعارة مكنية جمالها في تجسيد المعنوي ، فالحقد غدا شيئاً يرمى ، أي يمسك .
الانتقال من المعنوي للمادي .
سلِ التاريخ ، سل صبرا : أيضاً استعارة مكنيّة لكن بلاغتها هنا في التشخيص ، فالتّاريخ يُسأل كالإنسان ، وكذلك المدن التي شهدت المجازر الإسرائيلية .
أمّا الكناية نراها بكثرة ، والكناية تثير الذهن لمعرفة المعنى المراد منها .
فمثلا: 
تيمم بالحديد وبالرصاص: كناية عن صفة وهي طهارة السلاح .
وإنما هي دعوة صريحة إلى الكفاح المسلّح لدحر العدو الصهيوني .
اترك المقلاع واحمل حساماً : كناية عن القتال القريب ، أو المواجهة .
بالشر التواصي: كناية صفة الشر أو الحقد المتأصل ، فالشر امتاز به اليهود من زمن الرسول عليه الصلاة والسلام وهم يعلمونه لأولادهم ، ليبقى متوارثاً .
يلتحق المرفّه بالخماص: كناية عن التغيير 
انقلاب الحال ، فليذق أعداؤه ما ذاقه من جوع ومعاناة .
رضوا بالفوم والقثاء: كناية عن الوضاعة والذل. 
المن: كناية عن الرفعة .
يد الله البرّ : كناية عن نعم الله وإحسانه .
سرقوا التّراب : كناية عن الاحتلال . 
يوم يؤخذ بالنّواصي: كناية عن موصوف وهو يوم القيامة .
ذات العقاص : كناية عن النساء .
كن في تل أبيب شهيد باص : كناية عن العمليات الفدائية. 
كن في المسجد الأقصى صلاحاً : صلاح رمز للفتح والتحرير .
أما الصنعة البديعية فنجد : 
الطباق : 
( صلّ ، اكفر _ اترك، احمل _ 
الأداني، الأقاصي _ المرفّه ، الخماص _ 
رضوا ، عافوا ) وقلنا سابقاً أن الطباق من أهم المحسنات المعنوية التي فهو يوضح المعنى من خلال إيراد لفظين متضادين في المعنى ويحفّز العقل لإجراء المقارنة ، ويضفي جمالاً على الكلام ، فكما يقال : وبضدها تتمايز الأشياء .
وكما نرى قد أكثر شاعرنا من طباق الإيجاب 
وهذا يحسب له ، ونجد أنه أورد العديد من الكلمات والأفعال المترادفة وهذا غايته التوكيد على معنى معيّن .
أما العاطفة فهي عاطفة قوميّة ، فشاعرنا من الجزائر الحبيبة ويكتب لفلسطين قلب العرب 
ونلاحظ مشاعر الغضب والكره والتفاؤل .
من مواضع القوة أيضا نجد : 
الاستخدام الموفق للكلمة ، كاختيار الشاعر لفظة ( اجترحوا ) والتي تعني اكتسبوا وأكثر ما تستعمل في الجرائم ، كان استخداماً موفقاً في حديثه عن اليهود المجرمين .
أيضا : قوله خذ بالثأر بل خذ بالقصاص 
طلب الانتقام أولا ثم استدرك ليقول القصاص 
والقصاص يحمل العدل ، ومن الطبيعي أن يقتل القاتل ، وكأنه هنا يحلل الثأر مو هؤلاء المجرمين .
وفي القرآن كم لعنت يهود : كم الخبرية التكثيرية التي أفادت كثرة لعن اليهود والحطّ من مكانتهم ، وهم الذين يدّعون دوماً أنهم شعب الله المختار . فهذا تكذيب لهم .
النص حقيقة ملحمة شعريّة وإن كان عدد أبياتها لا يرقى إلى ذلك ، صرخة قومية مدوية ، جاءت بالكثير من الإبداع .
شاعرنا الكبير ، دكتور عبد العالي لقدوعي خبيرنا العروضي، أسعدتني الرحلة في ثنايا الحروف ، وسمو المعاني و براكين الغضب التي فجّرتها أيها العروبي الثائر .
تقبّلوا منّي هذه الهدية محفوفة بكل التقدير والتبجيل، موشّاة بياسمين بلادي الحلوة سورية التي تهدي شقيقتها الجزائر كلّ الحبّ .
دمتم ودام مداد القلب والحرف .

نرجو أحبّتنا الكرام أن تكونوا قد استمتعتم بهذه الرحلة .

شرح بعض المفردات : 
الشياص: سوء الخلق و شراسته. 
شماص : ذعر و انزعاج 
اللواص : العسل المصفى 
العراص: البقعة الواسعة بين الدور لا بناء فيها أي الأرض الخالية .
العقاص: خيط تشدّ فيه أطراف الذّوائب .
الصياصي : الحصون 
السّابغة: الدروع الطويلة الواسعة .
دلاص : ليّنة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق