الأحد، 10 مارس 2019
وعلى غير عادتها --- للمتألق محمود فهمي
وعلي غير عادتها ...هي لم تبطئ فى الرد. وتركت ردا موجز كعادتها. أن تكون شحيحة في ردودها. علي ذلك الغريب الذي يدق بابها ويلتقط المعاني من بين براثن ردودها...لم تكن تدري ٱن الرد الموجز سوف يتبعه أحاديث وأحاديث مطولة...وكان هو يطرق بابها بحذر كأنه باب زجاجى يخاف أن يتهشم قبل أن يلقى عليها التحية ...سمعت هي دقات الباب كأنها دقات مطر متقطع يحنو علي بابها...فتحت بابها وهي متوجسة من ذلك الغريب الذي تسلل إلي فكرها وعقلها قبل أن ترد عليه السلام...رأته كعصفور هارب من أعاصير ومطر وبرد الشتاء. يريد أن تمنحه هي الدفء ..ترددت هى كثير من ذلك الغريب بوقت مجئية بزمن ووقت لا يبدو جيدا بالنسبة لها ماذا عساها أن تفعل وهي بقرارة نفسها وكينونتها ٱلا تفعل...ولكن شيئا ما مختبئ بداخلها ظهر فجأة وتمالكت هي كل قواها الكامنة من خلاصة تجاربها في الحياة وعصارة فكرها أن تكتشف سبر أغوار ذلك الغريب. وما عساه أن يفعل وكأنها قبلت تحديا كامنا في عقلها أن تكتشف المجهول وتبحر علي شاطئه دوان أن تغرق فى يمه فهي كعادتها عنيدة تهوى المغامرةوالتحدى.أرمقته هى بنظرة خاطفة في عيناه أختصرت فيها كل مسافات زمن غابر يسكن أحداقه. لم تطل النظر هي ولكنها تباطأت بعض الشيء لترى تقاسيم وجهه فهو يبدو في مطالع الأربعين من عمره ولكنها استعادت بعقلها ذاكرة قد مضت وكان هذا الوجه حفر بعقلها الباطن منذ زمن وهي لاتكتشف ملامح وجه بل إنها تستعيد رويدا رويدا ملامحه وكأنه غيمة تمر على وجه وتتلاشي.مع انها كانت ليلة من ليالي الشتاء الباردة والقاسية برودته شعرت هي بدفء غريب ينتشر بأوصالها كدفء موقدها التي تلازمه دوما لتستأنس بدفئه وتسامر وحدتها النفسية برغم عن كل الضجيج الذي يسكن أعماقها .....و كان القمر فيها بكامل استدارته يرسل اشعته الفضيه علي نوافذ قلبها ويغرس سهامه برفق ويمضى.وكأنه يزيل غبار سنين مضت ويغزل بخيوط أشعته انسجة جديده...لم تقف هي طويلا حيال تلك التطورات السريعة والمتلاحقة وتظاهرات انها لم تكترث كعادتها.ولكن ثمة اشياء تغيرت هزت أرجاء عرشها لملمت ما. تبقي منها وردت عليه التحيه ..كانت تبدو هي في الثلاتين من عمرها إلا أن ضوء القمر مع بريق عيناها وشعرها الذهبي المتدلي علي وجنتيها سرق من عمرها عشر سنوات..فبدت شابة يافعة في أوج جمالها .وكأن جمالها لا يقل روعة عن جمال تلك الليلة المفعمة بروائح الشتاء العطره بل استعار الشتاء رائحته منها كما ٱستعار القمر ضوءه من بريق عينها...بينما هو كان غارق في التفكير والاندهاش وكأنه انتقل عشرين عاما إلي الوراء بشروده في وجهها.المتناثر عليه ضوء القمر واصحبت هي والحلم الذي كثيرا ما اتيا إليه في يقظته وغفلته يتصارعان بداخله. وكأنه كان آت من منفى بعيدا حيث كان الزمان لا يعيره وقته ولا خارطة مكانه وإذ به يستنشق هواء وطنه ويتحسس مكانه كانت لحظة فارقة بحياته أن يري حلمه واقعا بين يديه..اكتفي بالصمت الغارق في جوارحه والقاطن في شرايينه والقابع في سنواته ....ولم يحرك سكونه سوي يد حانية تمتد الي يديه وشعر أنه الٱن يغرق في يم كثير هو حاول الإبحار إليه دون جدوي غير أن شعور الان بسعادة غامرة تجتاح كل أوصاله وتأكل كل سنين منفاه وياخذه الحنين عمدا يفتت كل بقايا الفراق يقتل كل الآهات الساكنة في الاعماق وكأنة الٱن بلحظة ميلاد جديدة تولد فيها كل الأمنيات .وتغادر فيها كل التعاسات العابثة على ضفاف حياته حقا إنها مخاض جديد جعل من حلمه حقيقيه ملموسة .....أستحضر هو صورتها وهو مغمض العينين وكأنها لوحة أبدع فيها فنان وأعطي عصارة فكره وجل خبراته كأنها وجهاسريالي آت من زمن قديم به رائحة الطبيعة الخلابةوعبق التاريخ نائم علي جبينها يسرد ٱنهار حب وشلالات عشق تنجرف من عينيها وسلاسل من حرير هندي تنساب من جدائل شعرها وغابات خوخ تزين خديها .لا بل كانت غابات الخوخ تتزين بخديها....هي لم تبقي كامنة كعادتها وصافحته بحرارة الاشياق.وارتمت بين أحضانه كأنها ترمي كتلة لهيب في ماء بارد وتطفي نار جسد أنهكه الفراق ..ما زالت زخات المطر تتساقط علي أوراق شجرة التوت العتيقة الذي شهدت اول لقاء لهما قبل عقدين من تلك اللحظه..وتصدر أوراقها صوتا ينتبها هما إليه فينطلقان بنفس الوهلة فى صمت مسرعين إليها يعانقانها ..وتتشابك الأيدي من جديد ويعلنان التحدي وكأنها لحظةأنبعاث ميلاد جديد ..
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق