دراستي المتواضعة لقصيدة الشاعر المبدع عماد علي
((( رعفات عشق )))
في ضوعة العطر من شدو ومن شجن
تنداح أغنيتي آها على وطني
يشعشع الحب في أمدائها لغة
فينجلي النور تياها على الدجن
تبارك العشق تزجينا متارفه
عهدا تقدس في سر وفي علن
روح يطوف بآمال مسربلة
بالشمس والبدر بحارا بلا سفن
فيسكب الشفق الخمري ملحمة
تزكي الضياء رؤى في أحلك المحن
تختال راحلتي عشقا يظللها
بوارف السحر والنجوى على الزمن
وظبية في رحاب الروض فاتنة
واللحظ طعن القنا وافى ليقتلني
يجلجل الحسن في عينيك يسكرني
أنا القتيل غراما هيئي كفني
يهوى الفؤاد غزالا شاردا رسمت
أهدابه جنة للروح من بدن
وقد تعسفني وعدا وأمنية
يسمو الخيال بها طيرا على الفنن
يشدو بقافية للنجم كحلها
بمرود بضياء الشمس مقترن
الحب مرتع إلهام نصول به
سل القوافي مدى الأطلال والدمن
"""""""""""""""""""""""""""""""""""
عندما يتعانق حب الوطن مع حب ما فيه ينسكب الحرف شلال نور ، وتتماهى فيه المحبوبة مع ثرى الوطن وسمائه وجباله ،
هذا حال شاعرنا المبدع عماد علي
في قصيدة من الروائع سلك فيها مذهب الأولين في شكل القصيدة مو حيث اعتماده نظام الشطرين والروي الواحد وحتى في متانة تراكيبه ميوله لاستخدام بعض مفرادتهم وصورهم
مثل : الدجن ، راحلتي ، الأطلال ، الدمن
وصور مثل : اللحظ طعن القنا ، سل القوافي ...
بينما نجد ميوله للرومانسية من خلال غنائية النص حيث عبر عن أحاسيسه الفردية في نطاق العامة ، والاتكاء على الطبيعة والهروب إليها وهذا بدا من كثرة التصوير إضافة إلى الصدق في التعبير .
قصيدتنا إذا عمودية كلاسيكية الشكل رومانسية المضمون .
قبل ولوجنا عتبة النص يفاجئنا عنوان القصيدة ( رعفات عشق ) ومما لا شك فيه أن العنوان ساحر اعتمد فيه الشاعر لفظاً إيحائيا ( رعفات ) ولغويا تعني الدم الذي يسيل من الأنف ، فأي دلالة أرادها شاعرنا نزوف عشق ، وهل تحمل هذه النزوف في طياتها الألم والشجن ، بالتأكيد نعم وهذا ما ستؤكده بعض المفردات في النص .
إذا نحن أمام عنوان جذاب لغويا يسترعي الانتباه ويحث العقل على التفكير في كنهه ودلالاته .
من جانب آخر النص نفحة وجدانية وطنية لها ملامح ذاتية
نجد على سبيل المثال الحيرة والحزن والألم على حال الوطن في البيت الأول .
كما نلمح الحب والتقديس في البيتين الثاني والثالث ، بينما نجد الإعجاب والحب يترافقان في البيت الواحد في بقية الأبيات .
عبر الشاعر في البدء عن مشاعره تجاه وطنه من حب وحزن ومن ثم عبر عن افتخاره بشعره و ما حملته حروفه من مشاعر العاطلة صادقة لكن يعوزها الانفعال ولعل ذلك مرده ندرة الأسلوب الإنشائي في النص .
أما الموسيقا الخارجية فقد بدت مؤثرة متماوجة مت تفعيلات البحر البسيط التي تطول حينا وتقصر حينا آخر فيما يشبه انقباض القلب وعودته للاسترخاء بعد حين ، وشاعرنا مما لا شك فيه ربان بارع خاض هذا البحر بثقة واقتدار .
وقد اختار روي النون المكسورة حينا والمنونة حينا ،
وطني ، الدجنِ ، (وفي علنٍ ، بلا سفنٍ ..)
فهذه وإن حرّكها بكسر إلا أن حقها التنوين وأعتقد هذا مأخذ بسيط هنا وإن لم يخل بالتفعيلة لأن الحرف المشبع والمنون سيعطي التفعيلة ذاتها .
كما نجد للموسيقا الداخلية أصداء جميلة رقيقة تأتت من تكرار كلمات عديدة تشتمل حروف الهمس ( همس فحثه شخص ) فتكرار السين والشين واضح تماما
إضافة إلى تكرار الحروف المتشابهة .
والتصريع في البيت الأول ( شجنِ ، وطني )
أما الناحية الفنية لأسلوب الشاعر :
فنجد أن شاعرنا قد اختار لغة واضحة المفردة جميلة تنوعت بين حروف هامسة وأخرى جزلة
فمن الكلمات الرقيقة الهامسة ( شدو ، آها ، الشمس ، السحر ..)
اما الجزلة فنجد ( الدجن ، يقتلني ، يجلجل ) وقوتها هنا من لفظها ومعناها و إن اشتملت حروف القلقلة .
اختار ألفاظ تدل على العشق فيما يشبه الحقل المعجمي ( العشق ، الحب ، غراما ، الفؤاد ...) وهذا جيد
لجأ أيضا للألفاظ الموحية وما تحمله من دلالات واسعة وهذا جميل ومن شأنه تحفيز القارئ لمعرفة المعنى ( رعفات ، العطر ، يشعشع ، بحارا ، الشفق ، ملحمة ...) وهذه تحسب لشاعرنا كنقطة إيجابية ، فالوضوح التام لا يستحسن في الشعر .
أما الأسلوب فقد كان خبرياً بامتياز ، فالشاعر لم يشأ أن يظهر مدى انفعاله وإنما أراد فقط تسليط الضوء على مااعتراه تجاه وطنه ومحبوبته .
طبعا لا يخفى على أحد جماليةالأسلوب الإنشائي وخصوصاً أسلوب الاستفهام والتّعجّب ، ليت الشّاعر أغنى قصيدته الرائعة بهما ليضمن التّفاعل معه بشكلٍ أفضل .
لكن نلمح الإنشاء الطلبي مثلا بالأمر المباشر في قوله :
هيئي كفني ، سل القوافي
ونجد الماضي الذي خرج للدعاء بقوله:
تباركَ العشقَ ، أي الدعاء أن يبارك هذا العشق .
انسابت التراكيب بسلاسة و خفة رغم طولها في كثير من الأحيان .
أما الصور والأخيلة فقد برع فيهما شاعرنا وأغنى نصه بكل جميل تارة يتكئ على صور موروثة ( تختال راحلتي ، ظبية في رحاب الروض ، اللحظ طعن القنا )
وتارة على صور مستحدثة بديعة .
من الصور :
تنداح أغنيتي : استعارة مكنية
أغنيتي : كناية عن موصوف وهو الشعر هنا .
تيّاها على الدجن : استعارة مكنية شبه النور بالإنسان وحذف المشبه به الإنسان وأبقى على شيء من لوازمه ( تيّاها )
والجمال كامن في التشخيص .
روح يطوف ، آمال مسربلة : استعارة مكنية جمالها في التشخيص .
بحاراً بلا سفن : استعارة تصريحية
العشق بحار بلاسفن ، حذف المشبه وصرح بالمشبه به .
و ظبية : استعارة تصريحية حذف المشبه ( المحبوبة ) وصرح بالمشبه به .
اللحظ طعن القنا : تشبيه بليغ جماله يكمن في المساواة بين اللحظ والقنا من حيث التأثير وهذا بقصد المبالغة وإظهار سحر لحظ المحبوبة .
لكنه مطروق .
يجلجل الحسن : استعارة مكنية ، جعل للحسن صوتا قويا يجلجل كالرعد مثلا
أنا القتيل : تشبيه بليغ
غزالا شاردا : أيضا استعارة تصريحية
وهي مطروقة .
رسمت أهدابه : استعارة مكنية .
يسمو الخيال طيراً : تشبيه مؤكد حذفت أداته ، الخيال كالطير في ارتفاعه .
قافية كحّلها : تشخيص الجمال في إضفاء
بعض صفات الإنسان على المعنوي .
الحب مرتع إلهام : تشبيه بليغ .
سل القوافي : استعارة مكنية .
مدى الأطلال والدمن : كناية عن موصوف
(الحياة) . أي مدى الحياة ، مادامت الأطلال موجودة وآثار من كانوا فيها .
النص لا يخلو من الصنعة البديعية الساحرة التي جاءت عفو الخاطر
فنجد الطباق وهو محسن معنوي في :
شدو وشجن
النور والدجن
سر وعلن
الروح والبدن
إضافة إلى التصريع في البيت الأول وهو محسن لفظي .
أشرت في دراستي إلى بعض المآخذ و بالكاد تذكر ، نحن أمام لوحة فنية ساحرة بكل معنى الكلمة ، ترصد خلجات النفس وعشقها للوطن والمحبوبة بلقطات فريدة وبديعة .
شاعر بارع بحق ،
دام لكم الألق الشاعر عماد علي .
تحيتي والورد .
رنا محمود .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق