دراسة نقدية لقصيدة ( صفقة القرن ) للشاعر الكبير د.خالد أبو الريش
صَفقَةُ القَرن
في صَفقَةٍ لِلقَرنِ بانَ المُنحَنى
وَخَيالُ هَيكَلِهِم نَراهُ مُتَرجَماً
حَقَّ الوُقوفُ عَلى ضِفافِ خَريطَتي
والقُدسُ يا شَعبَ العُروبَةِ مُرجَماً
هَبٍّت رِياحُ الوَأدِ تَكسِرُ أَضلُعي
وعَواصِفُ الأَحرارِ باتَت مَنجَماً
عفوا فَقَد ضَلَّ الحَديثُ مَكانهُ
لَم يَبقَ شَيءٌ لِلرِّوايةِ مُحتَماً
ضاقَت مَساعي قُوَّتي في عُزلَتي
وتأبُّطِ الشّرِ المنيعِ مُحَرَّماً
فلتَشرَبوا يا قَوم مِن كَأسِ اللّظى
ولتَنتَشوا مِنها أََماناً مُعدَماً
لكنَّنا لا نَستَكينُ وألفُ لا
وسَنهدِمُ السَّدَّ المَنيعَ مُقَدَّماً
وسَنقتَضي مِن جَوفِ عُزلَتِنا مَعاً
حَدّاً وَنَأخُذُ بِالنَّواصي مَعلَماً
سَنقُصُّ أَيديهِم بِنَصلِ حِرابِنا
لْيَطيحَ مِن فَوقِ القَضِيَّةِ مُرغَماً
كلُّ الّذين عَلَوا بِشِأنِ رِحابِهِم
فستَسقُطُ الدُّنيا عَلَيهِمْ مَردَما
أمام القضايا الكبرى تهمّش باقي القضايا وتحذف الحروف من قواميسها ليبقى ما يخلّد الحدث ويوثّقه .
ألم يقولوا سابقاً : أنّ الشّعر ديوان العرب .
لقد صدقوا واللهِ ! فأيّ شاعرٍ يعجز عن توثيق الأحداث المفصليّة في تاريخ شعبه وأمّته ليس بشاعرٍ فليس الشعر مجرد حبٍّ وبث مشاعر .
ولعلّ هذا مادفعني لاختيار هذه القصيدة من قصائد شاعرنا الملتزم قضايا شعبه العملاق شعب فلسطين .
فهي هنا بمثابة صكّ رفض موقّع لصفقة العار التي فرضت على العرب عموما وفلسطين على وجه الخصوص كونها المعنية بالألم فحقوق بالعودة تسلب وضفاف باسم الغاصب تكتب وقبلة المسلمين ومعراجهم لصهيون توهب .
وريث العظماء من شعراء فلسطين دكتورنا البارع خالد أبو الريش نظم هذه القصيدة على البحر الكامل ملتزما شكل القصيدة العمودية وقافيتها ورويها بانيا على نظام الشطرين ووحدة البيت المستقلة ، لقد نهج نهج الكلاسيكين في هذه القصيدة .
إذا نحن أمام نص شعري عمودي يتبع المدرسة الكلاسيكية .
_ اختار شاعرنا عنوانا واضحا للأذهان بمجرد التلفظ به تدرك مضمونه وغاياته .
( صفقة القرن ) تركيب إضافي ، أو جملة اسمية حذف مبتدؤها وجيء بالخبر مباشرة وهذا إن دل على شيء فيدل على أهمية الخبر وكيف لا وصفقة القرن تعني بيع القدس لإسرائيل باعتراف دولي أنها عاصمة إسرائيل .
اختيار الشاعر أن يعرف القرن خدم المعنى فقد جعل من هذه الصفقة هي الصفقة المعنية فقط وكأن كل ما عداها لا يهم وفي هذا إظهار لفداحة الخطب وأهمية الحدث وتفرّده .
_ مما لا شك فيه أن احتدام المشاعر سمة واضحة فقد برزت مشاعر السخط والألم في الأبيات الأولى عندما أشار للصفقة المهينة الظالمة ومن ثم ازدادت وتيرة الغضب الذي صاحبه العزم والتصميم على إركاع الباغي و إذلال المتآمرين فقد أقفل الشاعر نصه بالتفاؤل بل بالثقة واليقين بأن هؤلاء الذين باعوا القضية لأجل رحابة العيش ستردم الدنيا فوق رؤوسهم .
فحتمية الثأر منهم والنصر واضحة وبادية
وهذا إقفال بارع لنص بدأ بصفقة و مؤامرة وأغلق بحتمية إفشالها .
العاطفة وطنية متأججة صادقة بامتياز .
موسيقا الأبيات كما أسلفت ركب شاعرنا موج البحر الكامل منتظم الدفق والطول ، البعض قد يعتبر البناء على تفعيلة واحدة رتيبا لكننا لم نشعر بذلك مطلقا وهذا مرده الانفعال العاطفي وأهمية الموضوع .
والتزام روي الميم المفتوحة التي تلاها ألف تنوين النصب التي قيدت القافية وكأنها تدل على العزم والتصميم .
من منابع الموسيقا الداخلية حروف الهمس و تكرار لبعض الكلمات المتشابهة ..
للشاعر أدواته ولعل أبرزها اللغة التي أجاد استخدامها وتوظيفها فالنص تسربل بلغة فصيحة واضحة فيها الرمز والإيحاء وفيها الهمس والقلقلة وهذا التلوين في اللغة إغناء للنص وموسيقاه الداخلية .
من الألفاظ الموحية نجد مثلا :
المنحنى : ولا يقصد الانحناء والاعوجاج شكلا وإنما الاعوجاج المعنوي أي الخلل والحياد عن الصواب .
مترجما : ليس المراد بها الترجمة من لغة لأخرى وإنما الانتقال من الخيال للواقع
الترجمة هنا تعني التحقيق والتجسيد على أرض الواقع .
عواصف : ثورات و هي بدورها تقتضي الغضب ....
أكثر الشاعر من استخدام أحرف القلقلة ( قطب جد ) وفي هذا ما يدل على الناحية العاطفية المضطربة بين ألم وسخط وخيبة وأمل ( صفقة ، الوقوف ، الوأد ، فستسقط ...
إذا كما نرى استخدام موفق للمفردات لتخدم المعنى والجرس الموسيقي في القصيدة .
أما أسلوب الشاعر فقد تنوّع بين إنشاء وخبر .
فعند استخدامه الأسلوب الخبري أكثر من الجمل الفعلية في إشارة حركية للانفعال والرفض لهذه الصفقة واعتمد سين الاستقبال في الأبيات الأخيرة للدلالة على الأمل والتصميم على استرداد الحقوق في المستقبل ( سنهدم ، سنقتضي ، سنقص ...) وهذا جميل .
نلمح التقديم : في صفقة للقرن بان المنحنى .
فالهم الذي يشغل الشاعر هو هذه الصفقة فكيف له ألا يذكرها أولا .
فالأصل : بان المنحنى في صفقة للقرن..
أما الأسلوب الإنشائي فنجده في :
يا شعب العروبة : النداء الذي حاول فيه الشاعر استثارة العرب
يا قوم : نداء المتخاذلين والمتآمرين
فلتشربوا : الأمر بالاتكاء على لام الأمر
ولتنتشوا : أيضا مضارع مسبوق بلام الأمر وهنا يبدو الشاعر حانقا غاضبا
نوع الشاعر في أساليبه بشكل رائع ليعبر عن هيجان نفسه وحنقها على ما يحاك لوطنه .
أما الخيال فقد كان خصبا وقد فرد شاعرنا جناحي نسر وحلق عاليا في فضاءاته مستقيا صوره تارة من موروثه الثقافي وتارة من عناصر الطبيعة حوله .
وقد وفق في توظيفها
ضفاف خريطتي : استعارة مكنية
رياح الوأد : تشبيه بليغ إضافي
عواصف الأحرار : تشبيه بليغ إضافي
باتت منجما : تشبيه بليغ يقصد الثورات منجم ..
ضلّ الحديث : استعارة مكنية بلاغتها في التشخيص .
لم يبق شيء للرواية محتما : كناية عن كذب الرواية .
ضاقت مساعي قوتي في عزلتي : كناية عن الاستضعاف .
تأبط الشر : تجسيم للشر
كأس اللظى : تشبيه إضافي
السد المنيع : رمز لقوة إسرائيل ولربما أراد به جدار الفصل العنصري ..
جوف عزلتنا : تجسيد للعزلة
نأخذ بالنواصي : كناية عن الإذلال اي الإمساك بهم من مقدمة شعر الرأس
والصور قوية تعبر عن الإصرار على هزم الباغي وإذلاله .
نقص أيديهم : كناية عن كفهم عن البغي
فقطع الأيدي يستدعي العجز والصورة هنا أفادت التعبير عن حدة الانفعال والتصميم و المبالغة في التأثير .
كما رأيتم النص غني جدا بالصور المؤثرة ولغته تقارب لغة الاولين في جزالتها
( تأبط ، لظى ، عواصف ، الوأد ، النواصي ..) وهذه كلها نقاط إيجابية تحسب للشاعر .
لكن مما لمحناه عدم الاهتمام للصنعة البديعية اللفظية منها والمعنوية وهذا قد يعاب على شاعرنا لكن عذره أن القضية التي يطرحها قضية مصيرية فهي قضية شعب أعزل حيكت له المؤامرات لسلب أراضيه وحقوقه و إقصاء أبنائه المهجرين .
استمتعت جدا بصحبة رائعة من روائع الشاعر الفلسطيني شقيقي البارع د.خالد أبو الريش قد كانت قصيدة مزلزلة مجلجلة كانت صرخة مدوية رافضة لمؤامرة القرن أو صفقته .
دام مداد القلب والحرف شاعرنا ودمتم خير رواد الشعر الفلسطيني الملتزم .
لكم مني أرق التحية وخالص التقدير .
والشكر لراعي برنامجنا ( قصيدة وناقد ) عميد جامعتنا الموقر د.غسان منصور .
رنا محمود
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق