الرجل المطر (١٨)
تأخر موعد إقلاع الطائرة في الرحلة العائدة إلى محل إقامتي بسبب عاصفة اشتدت، فتقرر تأجيل المغادرة لبضع ساعات حتى تهدأ الرياح و تتضح الرؤيا على مدرج المطار.
لم أستغرب حدوث هذا الأمر لأنه يتكرر كثيرا خلال هذا الفصل من السنة وأحيانا كثيرة قد تلغى الرحلات بالكامل.
كان المطار يضج بالمسافرين وهناك أيضا من جاءوا لاستقبال أحباء لهم.
وكان لا بد لي أن أحاول قتل بعض الوقت لأني لا أعلم متى سيتم الإعلان عن إقلاع الرحلة مجددا.
فأرسلت رسالة عبر البريد الإلكتروني لمديري في الشركة وأخبرته بأني عالقة في المطار بسبب ظروف سوء حال الطقس.
ثم قررت أن أقوم بزيارة السوق المفتوح في المطار لشراء بعض العطور والهدايا التذكارية البسيطة لأصدقائي في العمل.
لكني كنت طوال الوقت أشعر بأني سأصادف مطري في مكان ما أو ربما يكون متخفيا بين حشود الناس يراقبني من بعيد كعادته.
بعد أن انتهيت من شراء الهدايا شعرت بالجوع فذهبت إلى جناح الضيوف الخاص بالركاب المسافرين على الدرجة الأولى.
طلبت وجبة خفيفة وكوب قهوة وجلست بقرب نافذة تطل على مدرج المطار المليء بالطائرات التي أغرقتها شلالات المطر المنهمرة.
يا له من مشهد يستحق التأمل بسحر الخالق وعظمته وكيف تنشطر السماء لتصدر برقا أشبه بشرارة تضيء أرجاء الكون كاشفة لنا تفاصيلا خفية قد لا نراها إلا من خلال هذه الثوان .
كنت أعيش لحظات من التدبر وأنا شاردة بكل ما يحدث في هذا العالم الخارجي ولا يفصلني عنه إلا الزجاج وصوت النادل الذي جاء يسألني إن كنت أريد المزيد من القهوة الساخنة.
وبلا تردد قلت: نعم بالتأكيد شكرآ جزيلا لك.
فأحضر لي القهوة ومعها قطعة من كعكة الشوكولاتة المغطاة بالفراولة.
فقلت له: عفوا لكني لم أطلب منك أن تحضر لي هذه الحلوى.
قال: عذرا سيدتي لكني فقط أؤدي ما طلب مني.
تفضلي هذه الرسالة لك، أستأذن.
عندها شعرت بأن دقات قلبي تتصاعد وتتسابق مع صوت الرعد الذي يصدح في الخارج.
فتحت الرسالة وكانت من مطري.
حسنائي الجميلة، أراد القدر أن يجمعنا في مكان واحد هذه الليلة، أعرف بأنك بحثت عني ولم تجديني، لكني معك.
استمتعي بقهوتك وتناولي قطعة الحلوى.
رحلة موفقة يا حلوتي.
حبيبك الرجل المطر.
حينها لمع كبد السماء ببرق أضاء أمامي ممر المسافرين المطل على الجهة المعاكسة للجناح الخاص.
ولمحت مظلته الحمراء المغلقة والتي كان يمسك بها رافعا لي قبعته وكأنه يخبرني بأنه هنا.
فضحكت من فرط دهشتي وتساءلت بيني وبين نفسي.
ترى أيها الرجل المطر إلى متى سأبقى معك على قيد الانتظار ؟؟
إنصاف غسان قرقناوي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق