بطل من ورق
لم أعرفها بسابقة ، ولَم أكن أحفل بهذا الأمر ، لقد ساقهم القدر إلى قريتنا وأنا فتىً بالكاد لا أُفرِّق بين اللحم والدجاج إذا وُضِع على المائدة.
اشتروا مزرعة الباشا ؛ التي تكاد تلاصق منزلنا ، بل تلاصقه ، يتربع عليها البيت الكبير - هكذا ألِفَ الناس تسميته - لا تُرى سماؤها من أشجارها ، يتوسطها بئر طيبة شرابها ، وعلى جانب أماكن للشواء ، ومقاعِد حجريّة لم نألفها في بيوتات القرية .
حسيبة لم تجذبني من قريب أو بعيد ، فهي في ثاني سنيها الدراسية ، وأنا أكبرها بسبع سنين ، كما أننا قد نشأنا على أحترام الآخرين .
كانت أول مرة المحها وهي تلعب معي أختي مريم في فناء منزلنا ؛ حيث كانت تتوق إلى اللهو في منزلنا ذي التعرجات والنتؤات التي لا حصر لها ، لكنها لم تلفتني قيد أنمله ، فسهام العشق لم تعرف طريقها إلى قلبي .
تلاحقت الشهور والسنون ، وتغيرت أحوال وأحوال لم أكن فيها روميو ولا قيس ولا عنتر ، فالحبّ صعب وطويل سلمه، والخشية أن يرتقيه من لا يعلمه فيكون الحضيض منتهاه وألمه .
إلى ذلك اليوم فاتحة النهاية ، الصوت قادم من صوبهم ، نعم ، أنا أجزم ، ناديت أمي ، تبعتها ، زال الشكّ باليقين ، وتبيّن خيط الحقيقة من الوهم ، منظر لا تُحسد علية سقطت من
" مرجوحةٍ" كانت تلهو بها تعفّر الوجه الملائكي بالأحمر القاني ، وتمزّق القميص .
لحظات توجتها الأنانيّة بأبهى صورة ، لحظات الانتصار في زمن الهزيمة .
نعم هي لحظات الرقص على جِراح الآخرين ، غسلت أمي وجهها وأصلحت من شأنها ، وتطوعت لحملها إلى الداخل ، وجلسنا حولها في غياب والديها ، وكل منّا في شأن ، بكت والدتي لحالها وأنا مشغول بالفاكهة المُحرّمَة ، فالطفلة أصبحت ناهد كاعب ، لو قُدّر لففتها بالورق خوفاً من الخلق .
عاد الأبوان يفيضان بالحنان ، احتملا وردتهما الى المشفى ، وكان القرار ستمضي وقتاً في العلاج .
أصرت أم حسيبة على ترك البيت ، بيعه وليذهب إلى الجحيم ، ومن ذلك لم يُعْرَف لهم أثر .
يحيى القضاة الاردن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق