إضاءة أدبية مكثفة لقصيدة الكاتبة والمبدعة الشاعرة مياسة مشوح
حين غردت في قصيدتها الجميلة
قائلة..
✍ .. خطاك لحدي .. ✍
كل النساء زهور في أوانيها
و أنت الحياة ومنية السعد
سيدة العصور ولكل أزمنة
تمشي الهوينا و الخطى لحدي
تنازعني روحي للرحيل إليك
فأقاوم جاهدا عذابات وجدي
أتنقل خلفك بلا خجل ولا وجل
و القلب مألوم أعيا من الصد
مهجة حرى تغفو ساهرة
و عيناي ذابلة مرودها وردي
فراشي جمر و اللهيب ملتحفي
خواء عمني قد ناء جسدي
حتى العيس و حاديها هجعوا
و الهجيع هاجري قد التاع كبدي
سأذوي يوما و قلبي لك رهينة
يطويني الثرى و كفني عهدي
---
الاضاءة الادبية بقلم ليلى الصيني
.....
يبدو أن الشعر السوري تخايله مرحلة إنتعاش تقود مرحلة نموها الشاعرات السوريات ينحو بالشعر إلى عالمي العاطفة الإنسانية والوطنية
فنحن في عالم الشعر العربي في سوريا تجدنا نقف في مقابلة ظرفية حالة للشعر السوري بأقلام أديبات لا نشك أبدا في مدى قدراتهم الشاعرية الإبداعية .. فإذا تحدثن عن العاطفة الإنسانية حبا وعشقا زينوها بلهف أدبي تستدعيها المبدعات السوريات من الزخم الشعري القادم من أعطاف الدولة الأموية ؛ وبين أيدينا قصيدة شعرية بصياغة انثوية كامنة بين الأحرف والكلمات في سياق شعري يصعب أن يمر عفويا من تعليق يناسبه إيجابا وسلبا وتقفز الى مقرءتنا الشعرية قصيدة لشاعرة عميقة القلم من بلد الياسمين ( سورية) إنها
الشاعرة( مياسة مشوح؛)ابنة سوريا قلمها إمتداد لمبدعات العصر الأموي وكأنها ترفع للقارئ باقات الشعر بكل ما تملك ثروتها الأدبية من زينة وذواق أدبي رفيع وراق ؛...
كما يبدو مبكرا أن إشكالية الذكورة التي تنتشي بتسيدها كل الفكرالعربي ؛ تشعل فكر الشاعرة العربية السورية وبلا مقدمات
وأيا كان مرادها من القصيد؛ وفي استرضاء مبكر ؛ تجتذب الحس العاطفي الأنثوي لقصيدها ؛ فالشاعرة ترى إن الأنثى هي الأنوثة هي الحياة وأقصى أمنيات السعادة فيها ؛ ويبدو انها تعبر عن إرتباط وشائجي بالرحم كقضيةاولى ؛ ربما يسعفها في هذا ما ذكره رسول الله عن رب العزة والجلال " من أنه – سبحانه – قد اشتق مسمي " الرحم" من أجل صفاته جل وعلا وهي صفة "الرحيم" وهو تقدير الهي لا سبيل لمناقشته إنما التسليم به أولى وأجدر وأحق ؛.لكن ان تذهب الشاعرة الى حق استعمال المسمى عن رب العزة والجلال هو تسويق دولبي لقصيد شعري ليس هو " بردة الأباصيري " ولا هو "نهج البردة لأحمد شوقي " ؛ إنما وقد قال العرب عن قديم شعرهم إن "اصدق الشعر اكذبه" ؛إنما المعنى بلفظ "اكذبه " انما هو أكثره تجاوزا للواقع وإختلاسا لصور جمالية من جوف الحقائق ؛ وهذا فيما نرى ما ذهبت إليه الشاعرة (مياسة) مع مطلع قصيدها ؛..
ويبدو ان جمالية ما اجتذب القول منها في شطري البيت الأول من القصيد ؛ قد رفع من قابلية التفاعل الذاتي لديها فسعت عفويا لحفر القضية الأنثوية في محاجر عيون القراء قبل القارئات ؛ وهذا ان دل على شئ فإنما يدل على فطنة الشاعرة وتجاوزها للواقع الأنثوي إستنادا سبقت به الكثيرات والكثيرين ؛ في رجوعها لتأكيد ما ذهبت إليه إلا ما اعلمنا به رسول الله عن رب العزة والجلال ومن ثم فقد تقدمت خطوة أخرى لتمضي بجرأة غير مجحودة على الساحة الشعرية .وهذا ما ذهب إليه البيت الثاني من القصيد وكأنها تضع زهرة على زهرة أخرى تزيد بها رونق إبداعها الشعري فنزف عاشقها وكأنها في حضرةملكية " سيدةالعصور ولكل "ازمنة " ؛ ذكاء اقرب للفطري ان تختلس اداة التعريف"ال" من لفظة " أزمنة" ما يؤكد فطنتها ووعيها باللغةالعربية " فتقدم "أزمنة" بلا أداة تعريف ما يعني ويقرر بعمومية النص مؤكدة إنها "سيدة العصور " بمطلق لفظ "العصور " ؛ ليس فقط من بدايةالتاريخ ؛ وإنما من عند الوجود الأول "لحواء " الأم الكلاسيكيةلإناث كل الوجود ؛ حواء لا تعثر بخطوها من زمن إلى زمن ؛ فهي تنساب إنسياب الروي لكل الوجود منذ بدء الخليقة وتفاجئ القارئ ؛ فخطوات حواء في الزمن وبالمطلق ظلت تمضي حتى وصلت الى الشاعرة ربما وبشكل شخصي " تمشي الهوينا " هي هكذا حواء في سيرها "الهوينا" فتجذب العيون ؛ وترجف لها القلوب ؛ حتى يصل قصيد الشاعرة إلينا فنتوقف في دراسته المتقدة حتى اللحظة إحتراما وتقديرا ومهابة فقط عند شطري البيت الثاني من القصيد ؛ وعند هذا البيت الثاني ؛ فقد استوثقت الشاعرة وأرى ومعها قراؤها ؛ انها بهذين البيتين ؛ قد صنفت بحق قصيد شعري تام ؛..
وحول الجزء الثاني – فيما نري – من القصيد ؛ تتوارى ؛ بلا مقدمة مقنعة او موضوعية ؛ تلك المزجة الرفيعة من العشق والإيمان وزهوة الفرح واسعادة بحقيقة وطبيعة نسج الخالق لإبداعية في خلقه بعنوان حواء ؛ هذا الجزء من القصيد "الثاني " له في القول ؛ قولان ؛ ففي مبكرات الحديث عنه فلو كان هذا الجزء "الثاني " قد قدمته الشاعرة ككقصيد منفرد عن الجزء الأول ؛ لكان جميلا ومعبرا "تقليديا" عن مشاعر وأحاسيس انثوية معتادة في سياق العشق سواء لدى "قيس وليلي " أو عنترة وحبيبته ؛او قيس ولبنى او مع روميو وجولييت مع اعتبار
مفارقات بيئية معتبرة إما أن تلحق الشاعرة السورية ذلك أجزء الثاني بالجزء الأول السالف حديثنا عنه ؛ فهذا أمر يشير بوضوح الى وضعية الحضور القوي بين ذكاء ووعي الشاعرة فقد اكدت بذلك مدى إرتباط بين الجزئين في اعتبار أصولية الخلق لطبيعة حواء التي أرادها الخالق لإستمرار إرادي منه أي لديمومة الحياة فكانت حواء السبيل الأساس لتلك الديمومة فهي "تصب" مشاعرها واحاسيسها ولواعجها في "البودقة " الذكورية صبا كغيث نافع لا تأباه الحياةبالمطلق "
(تنازعني روحي للرحيل إليك ..فأقاوم جاهدا عذابات وجدي")
وهنا تتقدم الشاعرة بخطى قوية تحمل ما لزم لها من جرأة ؛ قد يأباها البعض إلاأن الشاعرة تسارع الى تقويم فكر القارئ ليقف عقلا عند الحقيقة من الأمر فتضيف البيت الشعري الرائع "
( أتنقل خلفك بلا خجل ولا وجل..و القلب مألوم أعيا من الصد" )
فتقرر ان لا استسلامية لا خجل ولا وجل ؛ إنما هي طبيعة الأشياء وما فطرت عليه بدءا وخلقا ؛ إننا من بعد ؛ تذهب بنا الشاعرة الى تقريرات واقع ؛ لا مدارات فيه ولااختباء ؛ انما هي ناموس اقتضى ما شاءت المشيئة وما اوضعته الإرادةفي النفس حين قالت مبدعتنا مياسة (مهجة حرى تغفو ساهرة ..و عيناي ذابلة مرودها وردي " )
انها وصفيات العشق من منظوره الإنساني ؛ لكن الشاعرة لا تتوقف بل تذهب لتأكيد واقع محسوس ومأثور من مواقع العشق في الحياة الدنيا فتقرر بلاتخفي ولا انزواء عندما غردت في هذا البيت
( "فراشي جمر و اللهيب ملتحفي ..خواء عمني قد ناء جسدي " )
إنها تطرق اعلانا جوهريا حول بشرية الحس وتلهف الوجدان وهو الطبيعي في الحس البشري ؛ وبعد فلا تنسى الشاعرة ويبدو انه أمر ملح في ذاتها ؛ انها من أصول لها مالها من البداوةالعربية التقليدية
حين أبدعت في هذا البيت
( "حتى العيس و حاديها هجعوا ..و الهجيع هاجري قد التاع كبدي ") لكن الشاعرة في ختام قصيدها ؛ تذهب الى المتجه الطبيعي الذي بدأت افتتاحا به قصديها ؛ فمن أعطى ؛هو الأولى بأن يسترد ..
.نلاحظ في هذا البيت الرائع ( "سأذوي يوما و قلبي لك رهينة ..يطويني الثرى و كفني عهدي ") فهي تذهب الى حيث دلها التاريخ الذي اعطاها مدخل القصيد ؛ من حيث الصبر احتسابا بقلب ارتهنه العاشق دون رحمة ؛ليتركها لثرى يطوى وكفن ارتداءا ؛....
واضح اننا ابحرنا في الجانب الشعري عمليا وجانب الشاعرةالمبدعة مياسة ؛ وبحسب ضوابط الشعر العربي المعتمدة ؛ وبلا مجاملة ؛ فبحق أبدعت في إجمالي القصيد وكان تمسكها التعبيري يمتد من الحاضر إلى عمق رائع ورفيع في تاريخ الشعر العربي ؛ الأمر التي يمكن تقديره فيما يتعلق بالشاعرة إنه اجتياز معتبر في الوعي والإدراك على مقدرةالشعر والشاعرالعربي على الإمساك بضوابط شعرية بغير أن يمسها إختلال او هزة لغوية سلبية وهو ما يذهب بنا إلى تقدير وإعتبار لشاعرية فذة وقديرة ....
للشاعرة المبدعة مياسة."....
تحياتي وعمق مودتي ...
.......... .............
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق